رئيس التحرير
عصام كامل

صالح عطية أصغر ضابط مخابرات في العالم.. كرمه السادات باستقبال شخصى في «ميت أبو الكوم».. راعي غنم نجح في كشف حقول الألغام المحيطة بأربعة مواقع إستراتيجية.. «البيض» كلمة السر لاختراق

18 حجم الخط

لم يدر بخلد إسرائيل في عز زهوها بانتصارها عام 1967، أن طفلًا مصريًا سيضربها في مقتل ويخترق مواقعها الحصينة في سيناء، بعد تدريبه على أيدى المخابرات المصرية في أهم عملية شهدتها حرب الاستنزاف.

الطفل صالح عطية، شاءت الأقدار أن يكون أصغر جاسوس مصرى، وربما على مستوى العالم، عندما نجح أحد ضباط المخابرات الحربية آنذاك في تجنيده للعمل لصالح المخابرات، ليستحق صالح أن يكون أفضل من كل أجهزة تكنولوجيا التجسس آنذاك، ويصير فيما بعد ضابطًا بالمخابرات الحربية.

الأعرابى المتنكر
في زى أعرابى جاء الرائد محمد على كيلانى، الضابط بالمخابرات، إلى سيناء، عام 1967، يبحث عن خيط رفيع يوصله بأحد سكان سيناء الوطنيين ليكون جنديًا للوطن ضد العدو الإسرائيلى، يصل كيلانى إلى أحد آبار المياه ليشرب منه، فيجد مراده إلى جوار البئر، كوخ صغير يعيش فيه الشيخ عطية، والسيدة مبروكة علم الدين، ونجلهما الصغير صالح.
يتعرف الضابط على الأسرة الصغيرة، ويطلب منها استضافته لمدة ثلاثة أيام حتى تصل بضاعته القادمة عبر الحدود المصرية، وكعادة أهل سيناء يكرمون ضيفهم، وتنشأ صداقة بين الشيخ عطية والضابط المتنكر في زى الأعرابى.

فكر الضابط كثيرًا في الطريقة التي سيفتح بها الحديث مع الشيخ عطية، وكيف سيعرض عليه أن يكون جاسوسًا ضد إسرائيل، وهل يصلح الشيخ عطية أم لا، وهل يملك من الحس الوطنى ما يكفى ليكون قادرًا على إنجاز ما يطلب منه في سرية تامة، وبدقة عالية، وبينما يدور كل ذلك في خاطره، يذهب به عقله إلى مكان أبعد من تجنيد الشيخ عطية، إلى تجنيد ولده صالح، الطفل النقى، الذي لن يشك فيه أحد، فالبراءة تغمر عينيه، وملامح الذكاء ترتسم في أحاديثه وردود أفعاله.

بعد ساعات وساعات من التفكير، اقتنع الضابط رغم خطورة المهمة، أن الطفل سيؤديها بنجاح، وبدأ ينفرد بالطفل لبعض الوقت دون أن يلاحظ والده، وعرض عليه أن يساعده في الدخول إلى مواقع العدو الإسرائيلى في سيناء، ووجدت الفكرة قبولًا لدى الطفل، الذي لا يعرف هوية الضابط لكنه متحمس.

رأى الضابط أن الوقت قد حان ليغادر كوخ الشيخ عطية، بعد أن نجح مبدئيًا في تجنيد الطفل الصغير، وشكر الوالدان على حسن الضيافة، واتفق مع صالح سرًا أن يلقاه عند صخرة بعينها ليبدأ مراحل التدريب على العمل، لكن تأخر الطفل عن الموعد الأول، ويبرر ذلك للضابط بأنه أراد التأكد من خلو المكان وأنه ليس هناك من يلاحقه أو يتتبعه.

راعى الغنم
مهنة الطفل كانت «بيع البيض ورعاية الغنم»، وبعد تفكير اهتدى الضابط إلى الفكرة، صالح سيدخل مواقع الإسرائيليين بائعًا للبيض، مقابل عبوة من التونة أو المربى، وبالفعل وصل صالح إلى الموقع الأول ونجح في تكوين صداقات مع الجنود والضباط اليهود، لاسيما أنه كان يتمتع بروح دعابة، وبراءة يحبها كل من يتحدث إليه، وكان من أبرز أصدقاء «صالح» ضابط يهودى من أصل يمنى يدعى «جعفر درويش» من مواليد جيحانة في اليمن وكان قائدًا للنقطة 158، المسماة بموقع الجباسات.

كان الضابط كيلانى يمد الطفل بأكبر عدد ممكن من البيض الطازج، حتى يزور الطفل أكثر من موقع في المرة الواحدة، ومرت الشهور الأربع الأولى وصالح يقضى النهار ذهابًا وإيابًا بين مواقع الإسرائيليين متحملًا ما يلقاه من بعض الضباط من الإهانة والضرب، قبل أن ينقذه أصدقاؤه من أيدى زملائهم، وكذلك لعب الضابط كيلانى دورًا في التخفيف عنه وتشجيعه لإنجاز المهام المطلوبة منه.

وبعد أن كان «البيض» سبيله للوصول إلى هدفه، بدأ صالح يتحرك بحرية داخل المواقع الإسرائيلية، يجمع المعلومات من خلال الملاحظة المستمرة، دون أن يشك فيه أحد، ويجمع معلومات أخرى من ثرثرة طويلة مع أحد الضباط، الذي لا يتوقع أبدًا أن يكون هذا الطفل البريء الماثل أمامه، أحد جنود المخابرات المصرية.

معلومات مهمة
نجح الطفل صالح في التعرف على الثغرات في حقول الألغام المحيطة بأربعة مواقع مهمة بها المدافع الثقيلة، بالإضافة إلى مولدات الكهرباء، ووضع خزانات المياه، وبيان تفصيلى عن غرف الضباط، وأماكن نوم الجنود وأعداد الحراسة الليلية وكافة التفاصيل الدقيقة حتى الأسلاك الشائكة، وكان الطفل يستطيع رسمها أيضًا، ومع تعليمات ضابط المخابرات استطاع الطفل التمييز بين أنواع الأسلحة.

وظل صالح يسرد لضابط المخابرات ما يحدث داخل المواقع أيا كان كبيرا أو صغيرا، وبناء على تلك المعلومات يرسم جهاز المخابرات الخطط المستقبلية لكيفية الاستفادة القصوى من الطفل مع توفير أكبر قدر من الأمان والرعاية له، وفى كل لقاء سرى يجمع بين الضابط والطفل، يروى صالح ما شاهده دون كلل أو ملل، واستمر على هذه الحال حتى سبتمبر عام 1973، أي قبل حرب أكتوبر بشهر واحد.

مهمة خطيرة
قبل الحرب بفترة وجيزة، قام الضابط كيلانى، بتزويد الطفل بقطع معدنية صغيرة، ودربه على كيفية وضعها في غرف قادة المواقع التي يتردد عليها وطريقة لصقها من الوجه الممغنط في الأجزاء الحديدية المختفية كقوائم الأسرة وأسقف الدواليب الحديدية، ولم يكن سهلًا أن يقتنع كيلانى بإمكانية أن يقوم الطفل بهذه العملية الخطيرة لما فيها من احتمالية سقوط الطفل بين أيدى الإسرائيليين إذا عثروا على هذه القطع المعدنية واكتشفوا أنها أجهزة تنصت، وهنا انتصرت رغبة الطفل القوية على كل المخاطر وحصل بالفعل على المهمة، والأهم من ذلك أنه نجح فيها، فبعد سنوات من التردد على مواقع الصهاينة، أصبح الكل يعرفه ويمشى بحرية داخل أي مكان يريد.

انتظر الضابط لساعات، مرت وكأنها سنوات وهو يفكر فيما يلحق بالطفل الصغير من أهوال التعذيب إذا انكشف أمره، إلا أن كل هذا لم يحدث، لأن صالح نجح في المهمة بالفعل، وعاد إلى الضابط رافعًا علامة النصر.
ومكنت تلك العملية التي قام بها الطفل باقتدار، المخابرات المصرية من الاستماع من خلال أجهزة التنصت تلك إلى كل ما يدور داخل حجرات القيادة من أحاديث وأوامر، وعرفوا كيفية التعامل مع هذه المواقع أثناء العبور.

الرئيس يستقبل البطل
بعد تلك العملية الخطيرة، لم يكن الطفل يعلم أنه قام بعمل بطولي، إلا عندما صدرت الأوامر من المخابرات المصرية بنقل صالح وأسرته إلى القاهرة، قبل حرب السادس من أكتوبر بعشرين يومًا، ولم يكن الأمر سهلًا، فقد نقل صالح وعائلته من الصحراء إلى القناة، التي عبروها إلى «ميت أبو الكوم»، مسقط الرئيس الراحل أنور السادات ليجدوه في استقبالهم بنفسه.

وعقب انتهاء حرب أكتوبر بسحق الصهاينة، دخل الطفل صالح، مبنى المخابرات المصرية، فوجد الأعرابى مرتديًا زيًا مدنيًا، وأفصح لأسرته عن الحقيقة كاملة.
وأمام بطولات الطفل الصغير، وجد الضابط «محمد على كيلانى» أنه لابد وأن يرعى «صالح» في التعليم، حتى يصير هو الآخر ضابطًا في المخابرات.
الجريدة الرسمية