«عن الكهف وغواية الكنز» قصة أحمد أبو خنيجر
وأزاحنى شيخى حتى حافة السؤال، وكان عابثا ووجهه يحمل تعابير متباينة، كأنما الشيء وضده، ورمى حجرا من يده؛ قال: اضرب مثلا لما جرى. كنت أظن أنه فى حالته هذه سوف يرتجز بعضا من حكمه، لكنه قال زاجرا قبل أن أسترسل فى خيالاتى: قل ماذا ترى؟ ولما كنت أعرف بعضا من مراوغاته، صمتُّ. ولم يكن صمتى لينجينى من حبائله، أو شراكه التى يمهد لها بأحكام متناهٍ فأقع فيها دون انتباه أو تدبر. صمتى الآن هو كى أتدبر حدود ما طلب ولا أزيد، ربما مراوغة منى للتنصل من سؤاله، أو لتمديد الوقت كى يفصل ما أراد؛ قال: فصل ولا تزد... فقط...كأنما.... وانتظرتُ أن يكمل فما كان منه إلا أن استوى على صخرة وأغمض عينه، فعرفتُ أنه أنهى كلامه وعلى أن أبدأ.
وخطوت خطوة مداريا بها وجلى وارتباكى، وتمثلت ما جرى فى خيالى، فرأيتنا فى كهف عميق، جماعات متفرقين، رغم كوننا متداخلين، والكهف يحيط بنا من كل جانب أسواره عالية، منيعة تبدو، أو هكذا تبدو، لم نكن نحن بالتأكيد من فكر فى اللجوء للكهف، أو بناء أسواره، لكننا وبإصرار فاضح شاركنا فى تعلية أحجاره، وجعل السور من الضخامة التى تنوء العصبة أولى القوة بالإطاحة بها، أو حتى التفكير فى هدمها، كانت الأسوار هدفها حمايتنا، مما؟ الآن أتدبر فلا أدرك أى حماية كنا نقصد، لكن الحماية كانت الطعم البراق، لكنها –الأسوار- دونما ندرى حجبت عنا الشمس، النور؛ ومع الأيام اعتدنا الظلمة، حتى صرنا لا ندرك أنها ظلمة، وكأنما صارت الدنيا نحن فقط، نحن المنعزلون، المعزولون، ولا شيء خارج الكهف.
هل للكهف باب؟ تساءلت، فمع الرغبة الضارية فى إقامة جدران الكهف المنيعة نسينا أمر الباب، المنفذ، وأقمنا السور كاملا، لا باب ولا مفتاح، فما حاجتنا للمفاتيح إن لم يوجد ما تفتحه؛ الأهم أننا جميعا شاركنا، كلٌّ بجماعته، وباختلاف القدر وحجم المشاركة، كنا نقيم أسوارا مزدوجة، السور الخارجى يخص الكهف بعمومه، والثانى سور يحيط بكل جماعة؛ وكان منا -نعم للأسف- من صرخ منذ البداية بخطورة الكهف وأسواره علينا، وحاولوا تأليبنا عليه، لكننا وبالعمى الكامل والملازم للقطيع، أعرضنا عنهم وتركناهم للحراس. حراس!! نعم ألم أقل أنه ومنذ البداية يوجد حراس للكهف، كما لكل شيء حرس وعسس وعيون بيننا؛ تركنا أولئك النفر للحرس، فغاب منهم من غاب، ولم نعد نراه، أو حتى نهتم للسؤال عنه، وعن مصيره ومالذى جرى له؟ كيف اختفى وغاب بهذا الشكل أو ذاك. لكن بعضا من أولئك النفر لم يغب، أو يختفى، وإنما جرى ترقيته وسط جماعته، فعاد يزين للجماعة فضائل الكهف، ويعدد مزايا الأسوار، وممجدا فى الحراس وأسيادهم، وقد صار هؤلاء قادة، كل لجماعته.
جماعات، كنا نتوالد داخل الكهف، وما نلبث ننضم لواحدة من الجماعات العديدة والمتفرقة بأرجاء الكهف، من أقصى يمينه لأقصى يساره، فقط عندما نجد لأقدامنا مواقع أكثر راحة من غيرها، وتكون فرص الترقى واعدة، كان الانضمام لجماعة ما يهبنا الغرور بتوهم حماية مزعومة توفرها الجماعة لأفرادها، فما رأينا الجماعة ولا أفرادها يحركون ساكنا عندما يغيب فرد منها أو من غيرها من الجماعات، من يفترسه مرض، أو تنهشه عجلات الطريق، أو يضيع فى ظروف غامضة أو واضحة جلية، هنا يتكفل القادة منا بردنا لواقع الكهف وأمانه، فنتبادل الحقد والكراهية ضد غيرنا من جماعات الكهف، ولا مانع من اتهامهم بأنهم هم وراء سوء أحوال الكهف وسبب ابتلائنا، فصار من يغرق أو يحرق أو يقتل غيلة لا يعنينا إلا بقدر انتمائه لجماعتنا، وكأن من قُتل أو حرق أو غرق أو دهس أو غيب يخص كهف آخر غيرنا؛ ربما روح العداوة هذه كانت تزداد مع الأيام وتنضج على مهل بين بسمات الحرس وتشجيعهم لنا على إظهار المزيد من العداوة والعنف.
كنا نتزاوج ونتناكح ونتوالد فى ظلام الكهف، وفى ظلامه أيضا كنا نكبر ونهرم ونموت، عفوا، ولتسامحنى يا شيخى على نسيانى، أنه فى أوقات أسمارنا المظلمة بقلب الكهف، كنا نتذكر تلك الحكايات القديمة والغامضة التى ينسبها الكثير للخرافات والأساطير، حتى صارت طرفة أو حلما بعيدا، كانت أكثر الحكايات ترديدا وتكرارا والتى تثير فى نفوسنا الأسى والشجن، وتجعل عيوننا تلمع ببريق غامض، تلك الحكايات التى تقول بوجود كنز هائل خارج أرض الكهف، ولا ينسى الحكاءون على التأكيد بأن هذا الكنز يكفى الجميع، تقول الروايات إن مكان الكنز خارج الكهف وعلى مبعدة منه، ولا يقدر واحد على وصف الكنز والإحاطه بما يحويه؛ وفصلت بعض الروايات الصعوبات الجمة التى ستواجه الباحث والطامح فى الكنز، بداية من زلاقة الأرض والمستنقعات الآسنة التى تنذر بشر مستطير، نهاية بالوحوش الضارية التى تحول دون الاقتراب من الكنز؛ واعذرنى يا شيخى أن أغلب من غيبوا أو اختفوا كانوا يتحدثون عن الكنز ليس باعتباره حكاية للتسلية، لكن كحقيقة واقعة، وكانوا يدللون كل الحكايات بواقع، والواقع يصير ذات يوم حكاية؛ لكن قادتنا الأشاوس تصدوا لحملة الأحلام المراوغة تلك، وقالوا إنها أساطير الأولين، وذكرونا بالشمس القاسية التى تنتظر الخارج من الكهف لتبيده، وكيف أننا نحن أفلحنا فى بناء الكهف للتخلص من شر الشمس. كان كل قائد يواجه جماعته بحكاية مضادة لحكاية الكنز تلك، حكاية تتفق مع مفاهيم جماعته، وكنا يا شيخى نصمت، نتناوم، قليلا أو كثيرا، لكن حكاية الحلم، الكنز، صارت تطاردنا فى أحلامنا يا شيخى، البعض لم يحتمل، فراح يفكر فى طريقة للخروج من الكهف، فواجهه الكهف بلا باب وأسوار منيعة وحراس شداد غلاظ وصمتنا المريع.
لكن فتية منا وقد ضاقت بهم أوضاع الكهف وفساد هوائه وركود الحياة القاحلة بداخله، تقدمت نحو جدار الكهف غير عابئة بالجدران الداخلية للجماعة، وكأنما نبتوا خارج تلك الأسوار، راحت للسور الخارجى المهيب وأخذت تدق بكل العنفوان وبكل الغضب، ورغم ضراوة الحراس وشراستهم وحجم الأسوار الخرافى وسقوط من سقط، إلا أن الإصرار على إنهاء الحياة داخل الكهف بدت واضحة، ولم تعد للقادة فائدة فقد داستهم الأقدام التى اندفعت تساعد الفتية، حتى انهار الجدار وتراجع الحراس مجللين بالخزى والمهانة، واندفعنا نحو النور الذى عشى عيوننا، وتبينا فى ضباب الرؤية أننا لا نعرف بعضنا بعضا، وتدافع الناس وقد تذكروا حكاية الكنز القديمة، اندفعنا وعشى الضوء يفقدنا البصيرة، فسقطنا فى الأوحال وداس بعضنا بعضا، ونسينا تماما، يا شيخى، نسينا الحكمة بالحكاية: أن الكنز يكفى الجميع ويفيض.
