رئيس التحرير
عصام كامل

«بدر الكبرى» غزوة الفرقان.. النبى يقود 314 مسلمًا للانتصار على 1000 مقاتل من قريش قرب المدينة.. الأنصار يجددون العهد للرسول قبل المعركة.. والمبارزة الفردية بداية القتال

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
18 حجم الخط

في السابع عشر من رمضان، يحيي المسلمون ذكرى غزوة بدر الكبرى "غزوة الفرقان"، التي هي أول معركة خاضها المسلمون بعد الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في أول رمضان في الإسلام. 

خرجت سرية المسلمين بقيادة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، 12 من رمضان سنة 2 هـ، لاعتراض قافلة لكفار قريش بقيادة "أبي سفيان"، التي بها ألف بعير وثروة تقدَّر بـ50 ألف دينار ذهبي، وليس معها سوى 40 حارسًا، ومن ثَم كانت صيدًا ثمينًا للمسلمين لتعويض بعض ما أخذه المشركون منهم في مكة.

غير أنه ترامت الأنباء إلى "أبى سفيان" بما يدبره المسلمون، فغيّر طريق القافلة، وبالرغم أن أبا سفيان استطاع أن ينجي قافلته بعد أن أرسل من يعلم قريش باعتراض المسلمين لها، فإن قريش المعاندة المكابرة أبت إلا أن ترد بدرًا وتلقى المسلمين، فقد صممت على الحرب وأعدت لها العدة المادية والبشرية وخرجت من مكة مع من تحالف معها من القبائل العربية في جيش قوامه 1300 مقاتل، ومعهم 600 درع، و100 فرس، وأعداد ضخمة من الإبل.

لما خرج المسلمون من الأنصار والمهاجرين كان بنية اعتراض قافلة قريش التي كان يقودها أبو سفيان ولم يخرجوا للقاء قريش في معركة وحرب لا يعرف لمن ستكون الغلبة فيها.

وكان عدد المسلمين فكان نحو 314 مقاتلًا، وقيل: 319، منهم 83 من المهاجرين، و230 منهم من الأنصار، وأما الأنصار فكان 170 منهم من قبيلة الخزرج و61 منهم من قبيلة الأوس، وكان معهم سبعون بعيرًا، وفرسان، وكان يتعاقب النفر اليسير على الجمل الواحد فترة بعد أخرى.


أما المسلمون فإنهم لما علموا أن الأمر جد، وأن قريش عازمة على ملاقاتهم وأن الحرب فرضت عليهم فرضا، ورغم أنه لا نسبة ولا مناسبة بين عدد وعدة المسلمين وعدد وعدة قريش الذي تجاوز الألف بينما كان عدد المسلمين ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ليس لهم من السلاح إلا القليل، فعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجلس شورى وأراد أن يأخذ رأي أصحابه من المهاجرين والأنصار، قائلا لهم: أشيروا عليّ أيها الناس وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمل بمبدأ الشورى وتجسيمًا للآية الكريمة “ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر”، فالذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعتراض القافلة هم من المهاجرين والأنصار، أما المهاجرون فهم من تركوا الأهل والمال (منعتهم عنهم قريش) فاستعدادهم لملاقاة عدوهم لا يشك فيه، خصوصًا قريش التي من حقهم أن يقتصوا لأنفسهم منها فقد سلطت عليهم شديد العقاب والعذاب فيكف لا يكونون على أتم الاستعداد لخوض هذه المعركة ضدها، ومع ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبى إلا أن يسمع رأيهم الذي جاء كما كان متوقعا من المهاجرين.

قام المقداد بن عمرو، خطيبًا، فقال “يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه”.

لم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسماع موقف المهاجرين من خوض هذه المعركة أو عدم خوضها، وإن كان موقفهم جاء كما كان متوقعا منهم، إقدامًا واستعدادًا لملاقاة عدوهم، مقبلين غير مدبرين.

فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الأنصار وقال: أشيروا علىّ أيها الناس.

نهض سعد بن معاذ، سيد الأنصار، وقال “لكأنك تريدنا يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: أجل، قال سعد: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، وإنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله”.
هنالك اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن جبهة أصحابه صماء وأنهم على قلب رجل واحد.

أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، العدد والعدة وفق ما هو متاح، فاستطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم أن عدد مقاتلى قريش نحو الألف رجل بناءً على أنهم ينحرون كل يوم عشرة من الإبل وأزال - عليه الصلاة والسلام - الأجراس من أعناق ما عنده من الخيل والإبل.

عسكر النبي – صلى الله عليه وسلم - عند أدنى ماء من العدو نزولًا على اقتراح الخباب بن المنذر، وتمام بناء مقر القيادة كما أشار سعد بن معاذ.

قام المسلمون بردم بئر الماء، بعد أن استولوا عليه وشربوا منه، حتى لا يتمكن المشركون من الشرب منه.

وتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك (أي بعد إعداد ما في إمكانه) إلى الله بالدعاء والضراعة فناجى ربه واستغاثه وقال “إنه إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد فوق الأرض أبدا”.

وقعت في يوم الجمعة، 17 رمضان 2 للهجرة، 13 مارس عام 624 بين المسلمين بقيادة النبي محمد بن عبد الله، وبين قريش بقيادة عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، سيد قريش، عند آبار بدر في جنوب المدينة.
وانتهت بانتصار المسلمين ومقتل سيد قريش عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي..
كانت أولى المعارك الكبرى التي خرج فيها المسلمون بقيادة النبي.

وقبل أن تبدأ المعركة، تقدم ثلاثة من عتاة كفار قريش وهم: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وولده الوليد. يطلبون من يبارزهم من المسلمين.

فتقدم ثلاثة من الأنصار، فصرخ الكفار قائلين: " يا محمد، أخرج إلينا نظراءنا من قومنا من بني عمنا"، فقدم الرسول عليه الصلاة والسلام، عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب. 

فبارز حمزة شيبة فقتله، وبارز على الوليد فقتله، وبارز عبيدة وعتبة فجرح بعضهما، فهجم حمزة وعلي على عتبة فقتلاه. 

اشتدت رحى الحرب، وحمي الوطيس، وما هي إلا جولة أو بعض الجولة حتى تساقطت رءوس الكفر، الواحد تلو الآخر، ونصر الله عباده المتقين (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) وقتل 70 من المشركين، وأسر مثلهم، وكان من بين القتلى أئمة الكفر: "أبو جهل" و"عتبة وشيبة، ابنا ربيعة" و"أمية بن خلف"، و"العاص بن هشام بن المغيرة". 
أما المسلمون فاستشهد منهم 14 رجلًا، 6 من المهاجرين، و8 من الأنصار.

وكانت بدر أولى معارك الإسلام التي نصر الله فيها عباده المؤمنين نصرا موزرًا، رغم قلة عددهم وعدتهم، وكانت بدر فيصلا بين عهدين حيث أنجز الله وعده لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وأمد الله المسلمين بالملائكة تقاتل معهم. قال تعالى: ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين).

بعد نصر المسلمين، ارتحل الرسول إلى المدينة وقسم الغنائم وخافه كثير من عدوه فدخل بعد هذه المعركة الحاسمة الكثير في دين الله، كما تذكر كتب التاريخ دخول رأس المنافقين عبدالله بن أبي، في الإسلام الظاهري. 
ولقد رمى المسلمون جثث المشركين في البئر، أما الأسرى فقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم، أربعة آلاف درهم عن كل أسير امتثالا لمشورة أبي بكر، أما من كان لا يملك الفداء فقد أعطاه عشرة من غلمان المسلمين يعلمهم القراءة والكتابة.

هذه الغزوة الرائعة هي الدرس العظيم للمسلمين حتى يوم الدين، ففيها تبين أن النصر ليس بالعدد والعدة وفيها غلبت فئة مؤمنة قليلة فئة كافرة كثيرة بإذن الله.

كذلك المعاملة الحسنة للأسرى، والاستفادة قدر استطاعتنا من عدونا بما يرفع من قدراتنا.

ومما يمكن استخلاصه من غزوة بدر الكبرى، هو أن الإسلام وهو الدين عند الله الذي لا إكراه فيه، إذ الهداية بيد الله “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء”، فإنه لا يستعمل القوة إلا في وجه من صد عن سبيل الله ووقف في وجه بلوغ دين الله للناس أجمعين، أما من سالم المسلمين واختار أن يبقى على دينه فإنه لا يناله مكروه ولا يعتدي عليه أحد، فالظلم في دين الإسلام حرام وقد حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده حرامًا، والجهاد في الإسلام ليس هو إكراهًا وظلمًا للأمم والشعوب ولا هو ابتزازًا لأرزاقهم واستعبادًا لرقابهم واستعمارًا لبلدانهم، الجهاد في الإسلام هو لإعلاء كلمة الله ونشر دين الله، ودعوة له بالكيفية التي رسمها كتاب الله “ادعُ إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”.
الجريدة الرسمية