رئيس التحرير
عصام كامل

"الحلاج".. لؤلؤة التراث الصوفي الذي هدد سلامة الدولة

18 حجم الخط

"قلوب العاشقين لها عيون.. ترى ما لا يراه الناظرونا.. وألسنة بأسرار تناجى.. تغيب عن الكرام الكاتبينا.. وأجنحة تطير بغير ريش.. إلى ملكوت رب العالمينا.. وترتع في رياض القدس طورا وتشرب من بحار العارفينا.. عباد أخلصوا في السر حتى دنوا منه وصاروا واصلينا"، أروع ما كتب أبو عبد الله حسين بن منصور الحلاج، مواليد 858، ويعد من أعلام التصوف السني من أهل البيضاء وهي بلدة بفارس، نشأ بواسط والعراق، وصحب أبا القاسم الجنيد، فقبل إعدامه بعشرين عاما، كان يمشى في سوق بغداد صارخا في الناس: يا أهل الإسلام أغيثونى، فليس يتركنى ونفسى فآنس بها، وليس يأخذنى من نفسى فأستريح منها، وهذا دلال لا أطيقه.


التصوف عند الحلاج لم يكن مجرد عبادات وزهد، بل كان يجاهد ضد نفسه، وضد الظلم والطغيان، ولذا كان على صلة بجماعتي الزنج والقرامطة، وهما من الحركات الثورية في زمنه، وأشياعهما من المستضعفين المحرومين، كما عرف عنه تأثره بالمتصوفة الهنود الذين أخذ عنهم فن اليوجا، لبلوغ الدرجات العليا من العرفان، التي تمكن صاحبها من إتيان الخوارق "الكرامات".

وتلون الحلاج حين يظهر للغوغاء لا يثبت على حال، إذ يرونه تارة بزي الفقراء والزهاد، وتارة بزي الأغنياء والوزراء وتارة بزي الأجناد والعمال، وطاف البلدان ودخل المدن الكبيرة وانتقل من مكان لآخر داعيا إلى الله الحق على طريقته، فكان له أتباع في الهند وفي خراسان، وفي سركسان وفي بغداد وفي البصرة.

وقد اتهمه مؤرخو السنة الذين لم يكونوا يفهمون التأثير الروحي ذا التاريخ العريق في الدين والفلسفة الزرادشتية، إنه كان مخدوما من الجن والشياطين وله حيل مشهورة في خداع الناس ذكرها ابن الجوزي وغيره، وكانوا يرون أن الحلاج يتلون مع كل طائفة حتى يستميل قلوبهم، وهو مع كل قوم على مذهبهم، إن كانوا أهل سنة أو شيعة أو معتزلة أو صوفية أو حتى فساقًا، دون أن يفهموا النظرة الفلسفية للحلاج التي ترى جوهر الإنسان وليس ظاهر سلوكه.

كما اتهمه آخرون بالكفر معتمدين على أقوال أشعاره، بينما سعى البعض إلى تبرئته بالزعم بأن ما قيل على لسانه لا أساس له من الصحة وأنه كلام مدسوس عليه، أما أتباعه فإنهم يقدسون أقواله ويؤكدون نسبتها إليه ولكنهم يقولون إن لها معاني باطنة غير المعاني الظاهرية، وأن هذه المعاني لا يفهمها سواهم.. بينما جنح المستشرقون إلى تفسيرات أخرى وجعلوا منه بطلًا ثوريا شبيهًا بأساطير الغربيين، وعند الشيعة: ذكره الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة في المذمومين الذين ادعوا النيابة البابية.

فقد وصف الحلاج عشقه لله قائلا: "فالتوحيد الحق إنما هو توحيد الذات بالله، وكل ما هو دون ذلك إن هو إلا تعلق بالوهم الخادع".

ممارسته التي عبر عنها بكلمات أشعاره، وفلسفته، لم ترض الفقيه محمد بن داود قاضي بغداد، في عهد الخليفة العباسي المقتدر، فقد رآها متعارضة مع تعاليم الإسلام حسب رؤيته لها، فرفع أمر الحلاج إلى القضاء طالبًا محاكمته أمام الناس والفقهاء، وحكم عليه بألف جلدة، ثم تقطيع يديه ورجليه، قبل أن تقطع رقبته، وكانت التهمة هي "خطورته على سلامة الدولة"، وتضمن الحكم أيضا، حرق كتبه ومنع الوراقين من نسخها، فلم يبق منها غير كتابه "الطواسين" وبعض من أشعاره وأقواله، وتعد لآلئ بديعة في التراث الصوفى، فلقي مصرعه مصلوبا بباب خراسان المطل على دجلة على يدي الوزير حامد بن العباس، تنفيذًا لأمر الخليفة المقتدر في القرن الرابع الهجري.





الجريدة الرسمية