"الأصابع الوردية" تكتب شهادة وفاة الإرهاب..الموافقة على الدستور الجديد توجه "ضربة قاضية" للإخوان والغرب.. وتفقد نغمة "الشرعية" قدرتها على إطراب المتربصين بمصر.. والشعب ينتظر استقرار "خارطة الطريق"
في مواجهة منهج الدم والاستقواء بالخارج، أسس خروج ملايين المصريين للاقتراع في استفتاء الدستور لشرعية جديدة تنهى سنوات من عدم اليقين وترجح خيار الاستقرار، وذلك من خلال اكتساح خيار "نعم" الذي تؤشر النتائج "غير الرسمية" للاستفتاء أنه تجاوز الـ90%.
فبعد أشهر من الترويج الخارجى لمظلومية جديدة حاول ما يعرف بـ"تحالف دعم الشرعية" المؤيد للرئيس المعزول محمد مرسي تكريسها من خلال فرض خيار العنف والعنف المضاد على الشارع المصرى، كتبت أصابع المصريين التي تلونت بالحبر الفوسفورى "الوردى" شهادة وفاة لهذا السلوك العدائى البعيد تماما عن طبيعتهم.
وفيما كانت القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الغربية تحاول المضى قدما في عقاب مصر مدعومة بحراك سياسي يعلى من قيمة ما يجرى تسويقه على أنه تجاوز عسكري على "شرعية الصناديق"، التي تجد صدى لدى دوائر في الداخل والخارج، وجه الاستفتاء الذي يعتبر تصويتا على "خريطة الطريق"، التي عزل بمقتضاها مرسي في يوليو الماضي، ضربة قاسمة لتنظيم "الإخوان" حرمتهم من أقوى حججهم، وذلك من خلال خلق شرعية جديدة للصناديق فرضها الحراك الشعبى بأصابعه الوردية.
ومن المثير للدهشة إصرار حلفاء مرسي على عدم الاعتراف بصناديق الاقتراع، على الرغم من بناء حججهم السابقة لاستعداء المجتمع الدولى ضد ثورة 30 يونيو على مبدأ "شرعية الصناديق"، حيث يزعمون تزوير النتائج مسبقا، وهو ما جعلهم يصرون على نفس النهج الذي لم يؤتِ ثماره على مدى الأشهر الماضية دون أفق واضح، وهو إعلاء قيمة العنف والمواجهة مع الشارع والسلطة في آن واحد.
"الإخوان" والحشد:
وعلى الرغم من أن تظاهرات "الإخوان" وحلفائهم قد فقدت زخمها خاصة في ظل انهيار مزاعم " القدرة على الحشد "، وأجواء الرفض الشعبي لها الذي يظهر في مواجهتها من الأهالي بشكل مستمر، إلا أن رهان "تحالف دعم الشرعية" ما زال يؤكد أن الأزمة سوف تستمر لفترة طويلة، لأنهم لم يفقدوا القدرة على الثبات والتصميم على دستور عام 2012، وأنهم لن يعترفوا بأي استحقاقات تجرى في ظل ثورة 30 يونيو.
ومع استمرار مراهنات "الإخوان" على الدول الكبرى في الضغط على مصر الثورة، باتت محاولاتهم لإجهاض أي حل يسهم في فتح النفق السياسي المغلق مكشوفة للداخل، فيما كشفها للخارج حالة الاصطفاف بين ثالوث المكون المصرى (الجيش والشرطة والشعب)، تلك الحالة التي ظهرت جلية في الإصرار على إنجاح الاستفتاء النابع من الإيمان بمشروع الدستور، على الرغم من عمليات الترهيب ومسيرات التعطيل المصحوبة بهتافات مناهضة لرغبة المصريين في إنهاء حالة الهشاشة والسيولة التي تعترى المشهد.
وعلى الرغم من محاولات التشكيك في المشاركة الشعبية في الاستفتاء، والتي يفرط فيها الإعلام المناوئ للثورة المصرية، إلا أن نسب المشاركة المعلنة وإن كانت غير رسمية فإنها تشير إلى حضور جارف لمختلف فئات الشعب، رغم دعاوى عدم مشاركة الفئات العمرية الممثلة للشباب.
واستباقا لما سوف تسفر عنه النتائج النهائية الرسمية المقرر إعلانها في غضون يومين، حاول ما يعرف بـ"تحالف دعم الشرعية" التشكيك في نجاح أولى خطوات "خارطة الطريق"، حيث استمرت التصريحات المنافية للواقع حول "تمرير الدستور رغم المقاطعة الشعبية، وأن الاستفتاء أكد للتحالف أن حجم "الانقلابيين" في الشارع ضعيف وهش وبالتالي التحالف مستمر في فعالياته الرافضة للانقلاب واسترداد الثورة".
وليس غريبا أن تستمر تلك المحاولات بأشكال متباينة لمحاولة إفساد عملية الاستفتاء التي تحولت إلى ما يشبه الفرح الشعبى بعد أن مارس المشاركون والمشاركات في العرس الديمقراطى بشكل عفوى كل طقوس البهجة، تأكيدا لرغبة صادقة في إنهاء حالة عدم الاستقرار التي تتكفل خارطة الطريق بوضع نهاية جادة لها.
الحراك الشعبي:
وفيما يجرى توثيق شهادتى "الوفاة للمقامرة بالعنف، والميلاد لشرعية الحراك الشعبى" المكتوبتين بالأصابع الوردية، فإنه يجب التفكير جيدا في سيناريوهات المستقبل، وطرح كل الفرضيات التي يمكن أن تشهدها الساحة المصرية خلال المرحلة التالية لإقرار الدستور باعتبارها مرحلة مفصلية في تاريخ مصر.
وفى هذا الإطار، فإنه يجب التأكيد على أن تراجع "الإخوان" وإنحسار تأثيرهم في المشهد السياسي المصرى سوف يستعيض عنه التنظيم والمناصرون له بالاستمرار في عمليات العنف المسلحة خاصة مع فشل وانحسار التظاهرات بسبب الرفض الشعبى لها، كما أن تهاوى نغمة الشرعية وفقدانها التأثير على قرارات الخارج ضد مصر تدريجيا سوف يؤصل مشاعر الإحباط الذي سيزداد بعد استمرار تطبيق باقى بنود خارطة الطريق بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهو ما قد يدفعهم إلى إجترار أساليب العمل "السرى" بكل طقوسه المصحوبة بالعنف.
ولعل ظهور دور السلفيين في هذه المرحلة بعد إنحسار دور "الإخوان" وأعوانهم سوف يدحض أي مزاعم حول معاداة النظام الجديد لتيار الإسلام السياسي بالكامل، وسيمنح أدوارا حقيقية لمن يمارس العمل السياسي بعيدا عن ثقافة العنف والاستقواء بالخارج، وهو ما يمكن أن يسهم في استقطاب الأشخاص ذوي الهوى الإخواني غير المندرجين في التنظيم الذي يدعم ويمارس الإرهاب كأسلوب للحضورعلى سطح المشهد.
ومع انطلاق صافرة نهاية الاستفتاء على دستور مصر المعدل، يترقب المصريون والعالم باقى خطوات خارطة الطريق التي جرى على أساسها الإطاحة بحكم "الإخوان" حتى يتم التعامل مع ما تبقى من تهديدات إرهابية وإنهاء دوامة القتل والتفجيرات، التي أظهر المصريون ثباتا واضحا في التعامل معها خلال الفترة الماضية، إلا أنهم ينتظرون حسما أشد وضوحا مع تلك الظاهرة، في وقت ينتظر المجتمع الدولى خطوات ملموسة تكرس مبدأ "التحول الديمقراطى".
وفيما تبقى سيناريوهات المرحلة القادمة مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا أن رموز المرحلة القادمة مطالبون بأن يترجموا طموحات أصحاب "ثورة الأصابع الوردية"، فالشعب المصرى يقف الآن في مساحة حرجة تسبق مرحلة العبور إلى المستقبل، ويترقب بمزيد من الأمل خطوات إعادة بناء بلده التي كادت أن تدمرها مراهنات المغامرين بالدم، رافعا إشارات النصر بأصابع صبغها فوسفورا لاستفتاء الوردى، بانتظار التحول من مرحلة مصر الثورة إلى مرحلة مصر الدولة.
