رئيس التحرير
عصام كامل

رغم التوافق الأمريكي – الروسي 3 إشكاليات تواجه "جنيف 2".. أمريكا تصر على رحيل الأسد.. من يشارك معارضة الداخل "المستأنسة" أم الائتلاف الوطني السوري؟.. دور الجهاديين والمتشددين في سوريا

جانب من مؤتمر جنيف
جانب من مؤتمر جنيف - صورة أرشيفية
18 حجم الخط

رغم التقاء المصالح الأمريكية مع الرغبة الروسية بعد أن أجمع الطرفان على أن الحل العسكري للأزمة السورية "غير مقبول"، إلا أن مؤتمر "جنيف 2 " المقرر عقده خلال نوفمبر القادم، ما زال يواجه العديد من الإشكاليات التي يمكن أن تعصف به، وإذا كان "بيان جنيف 1" في 30 يونيو 2012 سعى إلى رسم طريق للتوصل إلى حل دبلوماسي للصراع، إلا أنه ظل حبرا على ورق.

واعتبرت طهران عدم دعوتها لحضور المحادثات تجاوزا غير مقبول بحقها كأحد أهم اللاعبين على الساحة السورية. فيما اتفقت روسيا والولايات المتحدة في مايو الماضي على محاولة عقد مؤتمر "جنيف2 " لتنفيذ الاتفاق، الذي يطالب بسلطة حاكمة انتقالية تتولى مهام الحكم في سوريا، لكنهما لم تتطرقا إلى مسألة بقاء أو رحيل الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة. 

وجاء في الاتفاق أن مثل هذه الحكومة الانتقالية يجب أن تختارها حكومة دمشق والمعارضة بالتراضي فيما بينهما، وهو ما يستبعد فعليا - كما تقول الولايات المتحدة - بقاء الأسد في السلطة.

ويمكن في هذا الإطار رصد أولى الإشكاليات وهي تمثيل المعارضة في المؤتمر؛ حيث أكد المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي أنه لا يمكن أن يتم المؤتمر بدون حضور جهة تمثل معارضة فاعلة، وهو ما يصطدم بخيار الرئيس السوري بشار الأسد، الذي يرى أن المعارضة الداخلية "المستأنسة" هي من يجب أن تمثل الشعب السوري.

فيما يرى رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا أن الائتلاف لا يرفض مؤتمر جنيف 2 لمجرد الرفض، وإنه يقبل به وفق معطيات تضمن نجاحه، وعدم تلاعب النظام السوري به، وهو ما يوضح عدم إعلان موقف نهائي للائتلاف بشأن المشاركة في المؤتمر.

ويبدو من خلال تصريحات قادة المعارضة السورية المنضوين تحت لواء الائتلاف "الذي يعترف به الغرب" مشاركة ممثلين لمعارضة حقيقية في مؤتمر "جينيف 2" يمكن أن يصطدم بما قدمه زعيم الائتلاف من جملة معطيات لضمان نجاح هذا المؤتمر، وفقا لما يراه من خطورة الموقف وحساسية اللحظة وأهمية الدعم الدولي ومدى قدرة نظام بشار الأسد على المناورة.

ويتكون الائتلاف من 63 مقعدا، ويمثل أعضاؤه معظم التشكيلات والكيانات السياسية المعارضة والثورية، وهي: المجلس الوطني السوري والهيئة العامة للثورة السورية، ولجان التنسيق المحلية، والمجلس الثوري لعشائر سوريا، ورابطة العلماء السوريين، واتحادات الكتاب، والمنتدى السوري للأعمال، وتيار مواطنة، وهيئة أمناء الثورة، وتحالف معا، والكتلة الوطنية الديمقراطية السورية، والمكون التركماني، والمجلس الوطني الكردي، والمنبر الديمقراطي، والمجالس المحلية لكافة المحافظات، إضافة إلى بعض الشخصيات الوطنية وممثل عن المنشقين السياسيين.

وأكد الجربا أكثر من مرة ضرورة أن يسبق أية عملية تفاوض مزمعة توفير ضمانات ورعاية عربية وإسلامية، ولا سيما من السعودية وقطر وتركيا والإمارات والأردن، وتحت إشراف جامعة الدول العربية، بالإضافة إلى رفض أي مشاركة لإيران كوسيط في عملية التفاوض على اعتبار أنها "دولة محتلة من خلال مرتزقة يقاتلون أبناء الشعب السوري".

وتصطدم رغبة المعارضة السورية في عدم مشاركة إيران برغبة إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، التي باتت أكثر استعدادا لمشاركة إيران بالمؤتمر إذا أيدت علانية بيان 2012 الذي يطالب بتشكيل حكومة انتقالية في سوريا.

وتؤشر الرغبة الأمريكية بشأن استعداد إيران لتأييد بيان جنيف علانية حتى يمكنها النظر لمشاركة إيران بشكل أكثر إيجابية في "جنيف 2" إلى الإشكالية الثانية التي ربما تواجه المؤتمر في حال انعقاده وهي قضية مصير الرئيس الحالي بشار الأسد، وإذا ما كان سيستمر فاعلا في المشهد السوري أم ستتم الإطاحة به، أو على أكثر تقدير توفير خروج مشرف وآمن له بنهاية ولايته العام القادم 2014.

ووفقا لتصريحات المسئولين الأمريكيين، فإن موقف واشنطن من نص "جنيف ١" لم يتغير بالنسبة إلى المجلس الانتقالي في سوريا، الذي ينبغي أن تكون له صلاحيات تنفيذية كاملة، وأن الإدارة الأمريكية ما زالت مصرة على رحيل الأسد ولم تغير موقفها.

ورغم اختلاف الراعين الرئيسيين لماراثون جنيف الذي يمكن أن يمتد لأكثر من 4 مؤتمرات على ما تقدم من إشكاليات بشأن طبيعة المعارضة التي يجب أن تشارك في "جنيف 2" ومصير بشار الأسد، إلا أن الطرفين يتفقان على الإشكالية الثالثة بعد اعتبار أن الحل في سوريا ليس عسكريا وهي تأمين المنطقة من المجموعات المتشددة.

حيث تعتبر واشنطن وموسكو أن المصلحة مشتركة بألا يكون ثمة متشددين متطرفين - في هذا الجانب أو ذاك - يستفيدون من وضع وموقع أكثر أهمية في سوريا، وهو ما يضع قضية تسليح المعارضة التي يمكن وصفها بالمعتدلة على المحك.

ويبدو القلق حول الدور الجهادي في سوريا نابعا من خطر المقاتلين، الذين قد يشكلون خطرا على الغرب بعد عودتهم من سوريا أو أثناء وجودهم فيها، إضافة لاعتناق الكثيرين عقيدة القاعدة وطموحاتها الدولية.

ويقدر المسئولون الأمريكيون عدد المقاتلين الذين يصلون شهريا إلى سوريا ما بين 100- 500 معظهم ينضمون للجماعات المتشددة، وهم من مختلف الجنسيات من بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، وهولندا، وكندا، وأستراليا ومن باكستان والشيشان وشمال أفريقيا ودول المنطقة من العراق والأردن ولبنان وحتى من فلسطينيي الداخل في إسرائيل.

وترى دراسات استخباراتية أن سوريا خلال العامين الماضيين جذبت إليها جهاديين أكثر مما جذب اليمن والعراق وأفغانستان في عقود الثمانينيات من القرن الماضي أو بعد الغزو الأمريكي، وملاحقة النظام اليمني لتنظيم قاعدة شبه الجزيرة العربية.

وأظهرت دراسة نشرت حديثا أن نسبة كبيرة من المقاتلين في الانتفاضة السورية هم من المتشددين أو من الإسلاميين المعتدلين فيما تعتبر نسبة من يسمون بالعلمانيين ضئيلة. 

ولا يعرف بالتحديد عدد مقاتلي كل فصيل إلا أن النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) يقاتل في صفوفهما الآلاف، ويبلغ عدد مقاتلي فصائل مثل أحرار الشام أكثر من 10 آلاف، ويقول المسئول الأمريكي: إن مؤسسي أحرار الشام هم من الإسلاميين الذين كانوا معتقلين في سجون الأسد وأطلق سراحهم ضمن العفو العام عام 2011. 

وتظل داعش من أكثر التنظيمات قسوة وخطورة من بين التنظيمات الإسلامية المقاتلة، فقد خاضت معارك مع الجيش الحر، وسيطرت على أعزاز قرب الحدود مع تركيا.

وفيما تعاونت الفصائل المعتدلة مع الجماعات الجهادية مثل النصرة؛ نظرا لكفاءة وانضباط المقاتلين في صفوفها، فإن النصرة خاضت في الوقت نفسه نزاعات ومعارك مع فصائل كردية؛ حيث قام كل فريق باعتقال مقاتلين ومدنيين من الطرف الآخر.

وبالمحصلة تشكل الجماعات الجهادية نسبة 35 في المائة من المقاتلين؛ حيث يصل عدد المقاتلين المتشددين منهم نحو 100 ألف.

وليس ثمة شك في أنه وفقا للحسابات العسكرية والتقنية الصرفة فإن انتصار الثورة مستبعدا جدا، فهي لم تستطع حسم الصراع العسكري مع النظام وحده، وإذا كان مؤكدا أن دعم روسيا وإيران وحزب الله لبشار الأسد لعب دورا في هذه الحصيلة يكمل الدور الذي لعبه ضعف المساعدات التي حظيت بها الثورة، يبقى أن العاملين هذين لا يحجبان قدرات فعلية استعرضها ذاك النظام، إن لجهة نهوضه على تماسك أهلي مضمون، أو لجهة إبقائه على وحدة الجسم الأساسي لأدواته القمعية.

ويبدو صحيحا القول بإن القضاء على السلطة - وفي الوقت نفسه القضاء على القوى الإسلامية، لا سيما وقد أتيح لها أن تنمو وتكبر وتتعزز بمقاتلين أجانب - غدا ضربا من المستحيل.

الجريدة الرسمية