رئيس التحرير
عصام كامل

ميليشيات ليبيا خارج السيطرة.. محللون صينيون: ملامح الدولة بعد سقوط القذافي «ضبابية».. الجماعات المسلحة تهدد استقرار الأوضاع الأمنية.. وأحلام الليبيين لن تتحقق قبل إتمام مصالحة حقيقية بين مخت

علم ليبيا
علم ليبيا
18 حجم الخط

أمام التساؤلات الدولية والعربية، إلى أين تمضي ليبيا ؟ خاصة وتمر هذه الأيام الذكرى الثانية لمقتل العقيد معمر القذافي، الرجل الذي حكم ليبيا بقبضة من حديد، يرى خبراء ومحللون سياسيون صينيون أن البحث عن أحلام وآمال الليبيين وتحقيقها على أرض الواقع لن يتم بسهولة قبل إتمام مصالحة حقيقية بين مختلف الأطراف في المشهد السياسي الليبي واحتواء النزاعات القبلية.

وقال المحللون الصينيون: إنه بعد مضي عامين على مقتل القذافي، تتجه حماسة وفرح الليبيين على ما يبدو نحو التضاؤل، إذ ينهمك معظمهم الآن في البحث عن الرزق وسط تردي الأوضاع الأمنية، الأمر الذي ينذر بانهيار أحلامهم في أن ينعموا بالحرية التي دفعوا من أجلها ثمنا غاليا.

من جانبه، قال تشاو شوي تشانج، سفير الصين السابق لدى سلطنة عمان والسودان: إن القذافي لم يكن يحظى بشعبية بسبب تجاهله للديمقراطية وإهماله لمعيشة الشعب خلال فترة حكمه التي دامت 42 عاما، لذا لا يلومن إلا نفسه بعد انهيار نظامه الدكتاتوري.

وشاطره في الرأي تشيوي شينج، رئيس المعهد الصيني للدراسات الدولية، قائلا: إنه إبان حكم القذافي، غابت عن ليبيا الأحزاب السياسية والأجهزة البرلمانية وتمركزت السلطات العسكرية والسياسية في يد "الزعيم الثوري" القذافي وحده، فرغم أن القذافي جعل من ليبيا واحدة من الدول القوية اقتصاديا في القارة الأفريقية، إلا أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء ظلت متفاوتة والبطالة مرتفعة والتناقضات بين القبائل بارزة.

وأضاف: أن ملامح ليبيا لا تزال ضبابية بعد إسقاط حكم القذافي الديكتاتوري، إذ لفت تشيوي شين إلى أنه مقارنة بتونس ومصر اللتين حققتا "هبوطا لينا" بعد الثورة، باتت ليبيا مشتتة بعد الثورة الجذرية التي قامت بها المعارضة الليبية، إذ رسمت حالة الفوضى التي تعتري المشهد الأمني صورة شديدة الهشاشة لمنظومة الدولة في ظل غياب دور الحكومة المؤقتة، بل تمددت مناطق نفوذ الميليشيات على نحو يلمح إلى استحالة قدرة أي حكومة على ضبط الأوضاع الأمنية أو السياسية بليبيا في حقبة ما بعد القذافي.

وأشار المحللون الصينيون إلى أن أكثر الحوادث تطرفا، كانت عملية الاختطاف التي طالت رئيس الوزراء على زيدان مؤخرا. 

وجاء هذا الحادث في وقت تشهد فيه ليبيا انفلاتا أمنيا واسعا منذ إسقاط نظام القذافي عام 2011، حيث شهدت البلاد عمليات اغتيال وانفجارات استهدفت مباني حكومية ودبلوماسية، بالإضافة إلى شخصيات عسكرية وأمنية وناشطين سياسيين وإعلاميين.

وأشار السفير تشاو شوي تشانج إلى أن هذا الانفلات يعكس عجز الحكومة المؤقتة حتى الآن عن بسط الأمن وخلق مؤسسات أمنية وعسكرية محترفة قادرة على فرض قوة القانون في ربوع ليبيا، في وقت رأى تشيوي شين أن ليبيا تمر في الوقت الراهن بمرحلة انتقالية ضبابية لم تنضج مخرجاتها بعد ومفتوحة على متغيرات واحتمالات مختلفة.

ومن ثم، أكد تشيوي شين ضرورة أن تعمل الأطراف الليبية على إعلاء مصلحة الوطن، وتشكيل حكومة قوية، وإنشاء قوات شرطة وجيش متكاملة، وتكثيف الجهود لمصادرة الأسلحة المنتشرة بين أيدي الناس، والعمل على دمج وإعادة تنظيم القوى العسكرية في مختلف مناطق ليبيا، ودعم الميليشيات الممولة من الدولة في إطار المساعي الرامية إلى تشكيل جيش وطني وفق نظم مؤسسية تخضع لقوانين الدول وتدين بالولاء لها، بحيث يتحقق استقرار الوضع السياسي الداخلي تدريجيا ويجعل ليبيا تسير على درب إعادة البناء.

وأوضح أنه على الرغم من أن ليبيا كانت أكبر اقتصاد في أفريقيا، إلا أن بنيتها الاقتصادية أحادية، فالنفط يحتل أكثر من 90 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وثروة الشعب محدودة، ومستوى التعليم العام غير مرتفع، والنظام القبلي التقليدي هو أساس الحياة السياسية في ليبيا.

وقال: إن ليبيا لا تمتلك أساسا ماديا كافيا، ولم تتبع من قبل تقليدا ديمقراطيا طويلا، لذا لن يؤدي استنساخ الديمقراطية على النمط الغربي فيها سوى إغراقها في مستنقع الفوضى، وقد يزج بها في حرب أهلية مرة أخرى.. مشيرا إلى أن هناك في الواقع سابقة في الشرق الأوسط فشلت في تبني الديمقراطية على النمط الغربي، حيث سعى العراق إلى اتباع هذا النوع من الديمقراطية في "حقبة ما بعد صدام"، ما أدى إلى احتدام الخلافات دينيا وقوميا وحزبيا، وتداخل وتشابك المصالح بين الفصائل المختلفة، وانزلاق الوضع السياسي في البلاد إلى حالة فراغ لمدة طويلة.

من جانبه، قال لي شاو شيان نائب رئيس الأكاديمية الصينية للعلاقات الدولية المعاصر: إنه ليس من قبيل الصدفة أن يقع حادث اختطاف رئيس الوزراء على زيدان في هذا التوقيت الدقيق، إذ إنه يدلل بعمق على شدة احتدام الصراع بين مختلف القوى السياسية التي تتنافس على كعكة الثروة والسلطة في البلاد في حقبة ما بعد القذافي.

ورأى لي شاو شيان أنه من الصعب أن يتحقق انتقال سلس للسلطة في ليبيا على الأمد القريب رغم الإطاحة بالقذافي حيث ستتعاقب القوى المختلفة في الصعود على الساحة السياسية الليبية، مشيرا إلى أنه إذا تواصلت حالة الفوضى هذه، فمن غير المستبعد أن يحكم ليبيا مجددا رجل قوي على غرار القذافي.

وألمح تشيوي شين إلى أنه عندما استولت المعارضة على طرابلس بعد فترة وجيزة، تحدث البعض عن احتمال تطبيق ما يسمى بـ "الديمقراطية على النمط العربي"، وهى ديمقراطية ينشأ عبرها نموذج مثالي من حكم البلاد من خلال مشاركة الطوائف الدينية والقبائل والمجموعات المدنية في التفاوض والتشاور السياسيين.

وفي الوقت ذاته، عبر تشيوي شين عن اعتقاده بأن الوقت لا يزال مبكرا للحديث عن تحول أحلام الليبيين إلى حقيقة قبل إتمام مصالحة حقيقية بين مختلف الأطراف في المشهد السياسي الليبي واحتواء النزاعات القبلية.

وقال لي شاو شيان: إنه من المؤسف أن ليبيا لم تصدر دستورا جديدا حتى الآن، مشيرا إلى أن بناء الدولة عملية طويلة تختلط بالنظم والأفكار والعواطف، أما الدستور فهو يمثل روح الدولة.. مضيفا: أن المهمة التالية الأهم بالنسبة لليبيا تكمن في صياغة دستور مقبول لدى الشعب، فالدستور هو الأساس القانوني والالتزام السياسي لتحقيق السلام والديمقراطية في ليبيا.

وأردف لي قائلا: إن الدول الغربية استغرقت مئات السنين لترسيخ أسس نظمها السياسية والدستورية، لذلك من غير الواقعي مطالبة ليبيا بإنجاز جميع الأمور بعد مرور عامين فقط على مقتل القذافي.

وأجمع الخبراء الصينيون على ضرورة أن تتعلم النخبة السياسية الليبية كيفية التنازل والتعاون وتتفاعل مع الجماهير العامة من أجل صياغة دستور يحظى بدعم وتوافق جميع الليبيين، مؤكدين أن ميلاد ليبيا جديدة في "حقبة ما بعد القذافي" أصبح أمرا متوقعا ويستحق الانتظار.
الجريدة الرسمية