عندما يصبح الشعب متهما
ومصطلح الشعب متهمًا يعبر غالبًا عن حالة اجتماعية وسياسية يتم فيها تحميل المواطنين أو عامة الشعب مسؤولية أزمات اقتصادية أو إدارية أو خدمية (مثل البطالة، أو الأوضاع المعيشية، أو عدم العمل بالقدر الكافي)، بينما تتباعد المسؤولية عن السياسات والخطط العامة.
منذ أيام صرخت فنانة معروفة في المجتمع قائلة بكرهكم، ووقف سيناريست معروف متهما الشعب بأنه سلفي، والحديث عن أن الشعب لا ينتج، وأنه يفضل الراحة على العمل هو شهادة قاطعة تؤكد فلس الذين يطرحونه، وتأكيد على أنهم لا يملكون أى برامج حقيقية لتشغيل العاطلين، وليس لديهم برامج حقيقية للتنمية التى يجنى ثمارها عامة المصريين.
وهذا الشعب الذي حمي الدولة من السقوط أيام الإخوان وقف حارسا علي مؤسسات الدولة وهو الذي قدم أولاده لتحرير الوطن في كل معاركه، وهو الصابر علي الخطايا والأخطاء، ويقدم مصلحة البلد علي حريته وحقوقه، وهو الذي يصدق كلام ووعود السياسيين دوما، وهو الذي جعل بعض الأفراد العاديين نجوما في السينما والملاعب يحصلون علي رغد العيش وهو محروم من أبسطها، وهو حائط الصد الأول في الملمات.
تتعالى الأصوات السياسية المطالبة بحل المشكلة السكانية، باعتبارها العائق أمام النمو الاقتصادي، وانخفاض مستوى دخول الأشخاص. حتي إن وزيرة سابقة قالت إن الفرد يكلّف الدولة حتى سن السبعين، مليون ونصف المليون جنيه، أي مايقارب 21 ألف جنيه سنويًا.
فى هذا المقام، سيكون من قبيل التكرار الذى لابد منه، أن هناك دولًا متقدمة تماثلنا فى عدد السكان، وأقل من مساحة مصر بكثير، لكنها لا تعانى بنفس القدر مما نعانيه من بطالة وقلة الإنتاج، ولن نجد فيها اتهامات للناس بأنها لا تعمل، لأنها دول تضع لنفسها خطط إنتاج..
ومع تدافع التقدم الاقتصادى فيها، سنجد حيوية سياسية تتجسد فى تداول السلطة بين الأحزاب، ونزاهة وحرية فى الانتخابات، والحكومة التى تقدم برنامجًا اقتصاديًا ثم تفشل فى تحقيقه يستطيع الشعب أن يحاسبها بكل حرية، فيسقطها فى الانتخابات، فهل لدينا شىء من هذا؟ هل انتخبنا البرلمان وفقًا لبرامج سياسية واقتصادية طرحها مرشحو الأحزاب؟
عالم الاقتصاد المعروف هنري جورج أشار في كتابه الفقر والتقدم، إلى أن "السبب الرئيس لانخفاض الأجور، والفقـر، والـبـؤس، ليس السكان وتزايدهم. بل الظلم والاضطهاد الواقع عليهم”. كذلك كان يعتقد أنه إذا تحسن مستوى معيشة الناس وتوفرت العدالة. فإن الـنـاس سـيعـملون مـن تلقاء أنفسهم على تنظيم أعدادهم للمحافظة على مستوى معيشتهم.
وليس صحيحا أن الأزمة الاقتصادية بسبب ارتفاع معدل الزيادة السكانية فحسب. لكن يأتي في المقام الأول، الطابع الركودي الذي تتسم به اقتصاديات هذه الدول، خاصة القطاع الزراعي. ذلك القطاع الذي مازال متخلفًا في الوقت الذي يفرز فيـه الزيادات الأساسية من السكان والحقيقة أن بداية ظهور اختلال النمو السكاني، ودرجة التقدم الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول كان نتاجًا حتميًا للاستعمار. كنتيجة مترتبة على نشاط رؤوس الأموال الأجنبية داخلها.
في حين تشير الإحصائيات إلى أن معدل إنتاج المواد الغذائية عالميًا، يسبق معدل النمو السكاني بنسبة 16%. بينما يقتل الجوع 20 مليون شخص سنويًا. اتهام الشعب بأنه فنجري ولا يريد تحمل التضحيات، ليس انفصالا عن الواقع، وإنما هو جزء من خطاب ممنهج، حتى إن كان يبدو أنه يصدر على مسؤولية أفراد أو آراء شخصية..
هذا ما طرحه المؤرخ الاقتصادي Mark Blyth في كتاب Austerity: The History of a Dangerous Idea واعتبر الخطاب من الأدوات الاعلامية التي تهدف عن قصد إلى تسطيح الأزمة وتحويل معادلات الاقتصاد المركبة والسياسات الخاطئة إلى مجرد خطبة عن أهمية الترشيد الفردي لأساسيات الحياة. فالفرد هو العبء وهو المشكلة..
وأهم ما جاء في الكتاب هو ما أسماه المؤلف فكرة (توزيع الذنب) وتهيئة الرأي العام لقبول انخفاض مستوى المعيشة والتخلي عن أساسيات الحياة..
وفي الطب أول خطوة للعلاج هي اقتناع المريض بأنه مريض، وبمعني آخر حل أي مشكلة يبدأ بالاعتراف بأن هناك مشكلة، ومع استمرار الإنكار وتوزيع اللوم على ثورة يناير والإخوان وكورونا وحرب روسيا وأوكرانيا والحرب الحالية بين الولايات المتحدة وايران، لن نجد حلا لمشاكلنا.. هل وجدت طبيب يعتذر ويبرر نجاحه لعلاج مريض.. أم أن التبرير والاعتذار يكون للفشل في العلاج والتشخيص والخطأ؟
