الذين يرفضون هوية مصر!
غالبا ما يردد الجميع الأناشيد الوطنية ويؤكدون اعتزازهم بلغة القرآن ويزعمون أنهم أصحاب حضارة ضاربة في عمق التاريخ، وعند التطبيق العملي لذلك يرفضونها بالمجمل، هذا ما يحدث الآن بالضبط في معركة مواد الهوية، صحيح هم قلة ولكنهم من أصحاب الصوت المزعج، هم منظمون لدرجة تشعرك بأنهم الأغلبية في هذا البلد، بل وصل بهم التحدي في محاولات فرض المناهج التي تلائمهم علي وزارة التعليم..
فعلى مدار 12 عامًا، ومنذ إقرار الدستور المصري، ظلت مواد الهوية القومية في المدارس الدولية أقرب إلى هيكل شكلي داخل الجدول الدراسي، رغم النص الواضح في المادة 24 من الدستور على أن اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية مواد أساسية في مرحلة التعليم قبل الجامعي داخل البلاد.
وتفسر هذه المخالفة الدستورية التي استمرت سنوات جانبًا أساسيًا من الأزمة الراهنة بين وزارة التربية والتعليم والمدارس الدولية وأولياء أمور طلابها، بعدما قررت الوزارة إدخال مواد الهوية ضمن مجموع الطلاب في مختلف المراحل التعليمية، بما فيها الشهادات الأجنبية، الأمريكية والبريطانية.
وتساهلت الوزارة، عبر وزراء تعاقبوا على المنصب، منذ إقرار الدستور وحتى اليوم، مع المدارس الدولية، وفضلت إبقاءها بعيدة عن التدخل المباشر في نظامها التعليمي. ولم تقترب بما يكفي من تعديل شكل الهوية الدراسية داخلها، فظلت مواد اللغة العربية والتاريخ والدين بالنسبة إلى الطلاب مجرد مواد للنجاح والرسوب، ويكفي الطالب فيها الحصول على الحد الأدنى من درجة النجاح.
ومع هذه الوضعية، تساهلت المدارس وتراجع اهتمام الأهالي والطلاب بهذه المواد. فالطالب الذي التحق قبل 12 عامًا بالصف الأول الابتدائي في مدرسة دولية، ووصل اليوم إلى مرحلة الشهادة الثانوية، قد لا يستطيع كتابة اسمه بصورة صحيحة، وإن استطاع ذلك ربما يعجز عن صياغة جملة واحدة باللغة العربية. فكيف سيكون قادرًا على دراسة منهج متكامل لمادة اللغة العربية في المرحلة الثانوية، بما يتضمنه من نصوص وأبيات شعر ودروس في الأدب وعشرات الموضوعات في النحو والبلاغة؟
وبين من يرى أن الإشكال في جوهر القرار نفسه، وبين من يرى أن الخطأ في طريقة تنفيذه داخل منظومة تعليمية شديدة التعقيد والتباين، يرى الخبراء أن هذه الأزمة حاليًا عند مفترق طرق، الوزارة تتحدث عن معركة لاستعادة الانضباط داخل المدارس الدولية وتصحيح أخطاء تراكمت لسنوات، بينما يرى أولياء الأمور أن أبناءهم وجدوا أنفسهم فجأة في قلب تجربة انتقالية لم يُمنحوا الوقت الكافي للاستعداد لها.
يقولون الحفاظ على الهوية شيء، وتغيير قواعد احتساب المجموع لطالب يدرس بالفعل وفق نظام دولي شيء آخر تمامًا. ف بدأوا مسارًا تعليميًا محددًا منذ سنوات، واختاروا هذا النظام بناءً على قواعد ومعايير معروفة، وخططوا على أساسها لمستقبلهم الأكاديمي والجامعي.
وإذا كان هناك توجه لتغيير نظام دراسة أو تقييم هذه المواد، فيجب أن يتم تطبيقه تدريجيًا، ويبدأ من الصفوف الأولى، وليس بأثر مباشر على طلاب موجودين بالفعل في مراحل متقدمة من النظام.
والحقيقة أن المشكلة في عدم العدالة من وجهة تظرهم بعدما قررت الوزارة احتساب 20% من مجموع الطالب المؤهل للجامعة لمادتي اللغة العربية والتاريخ، بحيث تمثل مواد الشهادة الدولية 80% من المجموع، فيما تذهب النسبة المتبقية إلى مادتي الهوية المصرية. وهو ما يرفضه أغلب أولياء الأمور، مستندين إلى مبررات يرونها منطقية.
ولكن هل من العدل أن يتم قبول 711 طالبًا وطالبة بطب القاهرة من الشهادات الأجنبية وحدها التى لا يزيد عددهم عن 8500 طالب وطالبة، مقابل 480 فقط من طلاب الثانوية العامة التى يصل إجمالى عددهم إلى 850 ألف طالب؟ وهل من العدل أن النسبة المخصصة لطلاب الشهادات الأجنبية بمختلف الجامعات، التى لا تزيد على 5% من إجمالى طلاب الثانوية العامة المقبولين بكل كلية، أي 25 مقعدًا فقط بطب القاهرة، لتصل إلى 635 مقعدًا لطلاب الشهادة الإنجليزية وحدها، أى أكثر من كل المقبولين بالكلية من طلاب الثانوية العامة بـ135 مكانًا؟ حدث هذا فى كلية طب واحدة.
