رئيس التحرير
عصام كامل

من ممداني إلى عبدول: كيف صار المستحيل استراتيجيةً انتخابية

18 حجم الخط

منذ عام كامل، وبالتحديد في 10 نوفمبر من عام 2025، نشرت مقالًا في جريدة الوطن القطرية بعنوان «الولايات المنقسمة الأمريكية: فوز ممداني يعمق الشرخ»، وشرحت فيه الانقسام الحادث في أمريكا، والذي كنت أتابعه منذ انتخاب ترامب في 2016، وكتبت فيه عدة مقالات، آخرها هذه المقالة التي ذكرت فيها: «فكما مثل انتخاب السيد ترامب زلزالًا له توابعه، سيمثل انتخاب السيد ممداني الزلزال المعاكس المساوي له في المقدار والمضاد له في الاتجاه».
وختمت المقال بهذه العبارات: «ومن ثم فإن حالة ممداني ومدى عموميتها أو تكرارها في المدن والولايات الأخرى ستعتمد على ما إذا كان ممداني سينجح في تحقيق التوازن الدقيق بين تطبيق الإصلاحات الاجتماعية وحماية القاعدة الضريبية للمدينة، أم أن هذا الانقسام العميق سيؤدي إلى المزيد من التنافر بين الولايات المنقسمة الأمريكية».
وبمعنى آخر، هل ممداني «مُنجزٌ أم مُنظّر»؟ وهل سيستطيع ترويض القابع في البيت الأبيض، أم أن اختلافهما سيعود على النيويوركيين بالخسائر والأزمات؟ وجاءت الإجابة أن ترامب نفسه هو من سعى للقاء ممداني، ووافق على طلباته بعد زيارته في مقر إقامته في نيويورك، وهكذا إنجازات ممداني وضحت وأكدت وأثبتت أن ممداني الاشتراكي الديمقراطي يستطيع أن يحكم وبكفاءة واقتدار لم تكن متوقعة من أشد المتفائلين.
إنجازات ممداني بالأرقام لا الشعارات تتضمن 1.2 مليار دولار لزيادة الرعاية المجانية للأطفال، و9 ملايين دولار تعويضات للعمال من أصحاب الأعمال، و34 مليون دولار تسويات للمستأجرين، وإجازة مدفوعة شملت 4.3 مليون عامل، وكذلك تم لممداني اجتذاب الكثير من الثناء والمدح نتيجة ردم مائة ألف حفرة في الشوارع.
والأهم أن 68٪ من النيويوركيين عبروا عن رضاهم عن أدائه، متجاوزًا حتى أشد عمد نيويورك السابقين شهرة وتأثيرًا مثل مايكل بلومبرغ. ولكن الإنجاز الأكبر والأضخم هو فتح الباب لعبدول (د. عبد الرحمن السيد) وزملائه في جميع الولايات.
لابد أن نرجع الفضل لأصحابه في الموجة الزرقاء التي اجتاحت أمريكا الأسبوع الماضي، والتي أدت إلى الفوز الكاسح للديمقراطيين. فلقد قلبوا تسعة مقاعد في الشيوخ ليبلغوا 56 مقعدًا، وتجاوزوا 250 مقعدًا في النواب، بفارقٍ يقارب 13 نقطة مئوية، وهي النسبة الأكبر لأي حزب في انتخابات تشريعية منذ نصف قرن.
وهكذا تم توثيق سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونجرس. فكما خلصت مقالتي عن ظاهرة ممداني السابق الإشارة إليها: «لم يعد الصراع فقط بين يمين ويسار في الحزب الديمقراطي، بل بين مؤسسة عجوز وجيل جديد يتحدى قواعد اللعبة من الداخل».
الدكتور عبد الرحمن السيد ابن هذا الجيل، ومحمولٌ على أكتاف برني ساندرز وأوكاسيو-كورتيز (قادة التيار الاجتماعي الديمقراطي المتقدم)، لا على أكتاف شومرز (رئيس الأقلية الديمقراطية التقليدية في الكونجرس).
ولكن الزلزال الذي بدأه ممداني امتد الآن إلى كافة أرجاء الولايات المتحدة، وتحولت خريطة أمريكا الآن من سيطرة اللون الأحمر إلى تغلب اللون الأزرق، ومن تغلب شعار الفيل الأحمر الجمهوري إلى تفوق الحمار الأزرق الديمقراطي.
ويجب التنويه أن فوز عبدول لم يكن حدثًا فرديًا، بل هو امتداد لتوابع الزلزال الممداني، بل إنه زاده عمقًا وتعميقًا للغلبة الديمقراطية بوجوهها الشابة.


فلماذا هو زلزالٌ وليس مجرد فوز؟
 

أولًا: لأن المال السياسي خسر.
ففي أغسطس 2026، صمد عبدول أمام إنفاقٍ تجاوز 70 مليون دولار، تدفّق معظمه من «إيباك» والمجموعات المؤيدة لإسرائيل، ثم انتصر على النائبة هايلي ستيفنز -مرشحة المؤسسة الحزبية- بفارقٍ ضئيل: 48.5٪ مقابل 47.5٪.
الرسالة التي وصلت إلى كل عاصمة في العالم بسيطة ومرعبة: هناك سقفٌ لقدرة المال على شراء النتائج، وقد اقتربنا منه. أو كما قال ببلاغة غير عادية عبدول إن الأعداد The Many تغلبت على المال The Money.
ثانيًا: لأن الحرب عادت إلى الواجهة الآن.
ثمانية أشهر من الحرب مع إيران، بدأت في 28 فبراير دون تفويضٍ من الكونجرس، تحوّلت -مع غلاء المعيشة وملفات الفساد- إلى وقودٍ انتخابي. الناخب الأمريكي لم يصوّت لفلسطين ولا لمصر، بل لجيبه ولأبنائه المجنّدين. وهذا درسٌ في الاقتصاد السياسي أبلغ من ألف محاضرة.
ثالثًا: لأن الدكتور عبد الرحمن السيد أتى بخلفية طبية وليس الصالونات السياسية.
طبيبٌ وباحثٌ في علم الأوبئة، أدار القطاع الصحي بمقاطعة «واين» بميشيجان بين 2023 و2025. لم يقدّم نفسه بوصفه ابن جاليةٍ يبحث عن مقعد، بل بوصفه طبيبًا يشخّص مرضًا في الجسد الأمريكي نفسه: الفجوة بين ما تنفقه الأمة على الصحة وما تحصده من نتائج إيجابية على الصحة العامة ومتوسط الأعمار.
 


وهكذا أرى أن ممداني هو البروفة التي سبقت العرض، ولولا نيويورك، ربما ما كان لميشيجان أن تجرؤ. فلقد فتح ممداني طريق الكونجرس أمام عبدول بثلاث طرق: أولها هو نزع الرعب؛ حين يرى الناخب المتردد عمدةً مسلمًا يردم الحفر ويوفّر دور الحضانة، يفقد خطاب الشيوعي المتطرف نصف شحنته. وحينئذ تصير قضية الانتماء الديني تفصيلة جزئية، لا تهمه.
ثانيًا: تحويل ترامب من عبء سياسي إلى رصيد انتخابي. كل هجوم من ترامب على ممداني كان يرفع رصيده محليًا. تعلّم عبدول الدرس: لا تدافع عن هويتك، بل انشغل بالخدمة العامة، ودع خصمك يتكفّل بالدعاية لك.
ثالثًا: تحويل القضية الأخلاقية في فلسطين إلى رصيد. معارضة سياسات نتنياهو، التي كانت تُحسب خصمًا، صارت -في بيئاتٍ واسعة الآن- إضافةً انتخابية.
هذه بالضبط هي المعادلة التي مكّنت عبدول من هزيمة سبعين مليون دولار. ومع ذلك، يظل التحذير قائمًا: التأثير «مزدوج وإقليمي؛ محفّزٌ في المدن، مثبّطٌ في الأرياف والضواحي». والزلزال، وإن وقع، لم يُلغِ الانقسام بل كشفه.


* أستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة ولاية أوهايو بأمريكا وجامعة النيل بالقاهرة
 

الجريدة الرسمية