القرد الذي أراد أن يصير هدهدا
في غابة بعيدة، كان الهدهد يطير كل صباح بين الأشجار، يحمل في منقاره أخبار الليل، وما أخفته الجحور، وما حدث عند النهر حين أطفأت النجوم عيونها..
لم يكن الهدهد أسرع الطيور، ولا أجملها صوتا.. لكنه كان يعرف كيف ينظر.. وإذا عاد إلى الغابة، جلس على غصن عال، وحكى ما رأى بلا زينة كثيرة.. لذلك كانت الحيوانات تنصت إليه، حتى حين يأتيها بما لا تحب..
وذات يوم، صعد القرد إلى صخرة في وسط الغابة، وصفق لنفسه قبل أن يتكلم.. وقال: ما حاجتكم إلى الهدهد؟ أنا أستطيع أن أقلد صوته، وأطير بين الأغصان، بل أستطيع أن أقلد زئير الأسد، ونقيق الضفادع، وحتى صوت البومة حين تتظاهر بالحكمة.. وفوق ذلك، أستطيع أن أضحككم.
ضحكت الحيوانات.. ضحكت لأنها وجدت كلامه مضحكا، ولأن القرد كان يعرف كيف يجعل الضحك يبدو كأنه جواب. ومنذ ذلك اليوم، صار القرد يعتلي الصخرة كل صباح.. كان يقلد أصوات الغابة واحدا واحدا، ويضيف إليها من عنده ذيلا أطول، أو أنيابا أوسع، أو جناحين يكفيان للوصول إلى آخر الشجرة من غير أن يغادر مكانه.
كانت الحيوانات تأتي لتسمعه.. في البداية، جاءت كي تضحك.. ثم جاءت لأنها لم تعد تعرف إن كان ما تسمعه حكاية أم خبرا.. وبعد قليل، لم تعد تسأل عما حدث في الليل، فقد صار القرد يخبرها بما كان سيحدث لو أن الليل أطاعه.
أما الهدهد، فظل يطير. كان يعود أحيانا وريشه مبلل، وعلى جناحه غبار الطرق البعيدة.. يقف فوق الغصن نفسه، ويحاول أن يحكي.. لكن الحيوانات كانت تلتفت إلى الصخرة، حيث يؤدي القرد مشهدا جديدا عن نهر لم يزره، أو حريق لم يره، أو أسد لم يقترب من الأشجار التي احترقت.
قالت السلحفاة ذات مساء: ما الفرق بينهما؟ كلاهما يتكلم
أجابتها البومة، وهي تفتح عينيها ببطء: الفرق أن أحدهما يعود من الطريق، والآخر يكتفي بتقليد جناحيه.
لم يسمعها أحد.. كان القرد قد بدأ يقلد صوت البومة، فضحكت الغابة طويلا. ومع الوقت، اعتاد السكان على أخبار لا تحتاج إلى سفر، وحقائق لا تفسد الضحك، وحكايات تنتهي دائما قبل أن تصل إلى السؤال.. صاروا يعرفون كل شيء عن الغابة، من غير أن يعرفوا ما يجري فيها..
وفي صباح غائم، غاب الهدهد عن موعده.. انتظرته الحيوانات.. تأخر القرد أيضا، لكنه ظهر على الصخرة مرتديا ريشا ملونا، وقال بصوته: لا تقلقوا.. أعرف أين ذهب الهدهد.. أعرف كل شيء
سألته السلحفاة: وأين ذهب؟
فتح القرد فمه، ثم أغلقه.. قلد صوت الهدهد، وصوت الريح، وصوت المطر، ثم قفز في الهواء قفزته المعتادة.. ضحكت الحيوانات، هذه المرة أقل من كل مرة..
وعند طرف الغابة، وراء الأشجار التي لا يزورها أحد، كان الهدهد يواصل الطيران.. لم يكن يحمل وعدا بأن يضحكهم، ولا يملك منقارا يغير شكل الحكاية.. كان يحمل فقط ما رآه.. أما القرد، فظل فوق الصخرة، يقلد جناحين لا يطيران.
ولم تعرف الغابة أيهما كان أعلى: الغصن الذي يقف عليه الهدهد، أم الصخرة التي اعتلاها القرد.. لكنها عرفت، بعد فوات الأوان، أن الغابة التي تكتفي بمن يضحكها قد تستيقظ يوما فلا تجد من يخبرها أنها تحترق.
