رئيس التحرير
عصام كامل

معركة مواد الهوية، هل تُنهي قرارات التعليم عصر «النخبة المنعزلة» في المدارس الدولية؟

وزارة التربية والتعليم
وزارة التربية والتعليم
18 حجم الخط

تخوض وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني معركة فكرية ومجتمعية  تتجاوز حدود القرارات الإدارية الروتينية، لتصل إلى عمق الأمن القومي بمفهومه الشامل؛ وذلك من خلال إقرار وتنظيم تدريس "مواد الهوية الوطنية" (اللغة العربية، التربية الدينية، والدراسات الاجتماعية) على طلاب المدارس الدولية في مصر.

هذه الخطوة  لا تعكس مجرد رغبة في فرض التزام أكاديمي، بل تعبر عن رؤية استشرافية تدرك تمامًا خطر تعرية الأجيال القادمة من جذورها الثقافية والتاريخية في عالم تتلاطم فيه أمواج العولمة وسياسات "التذويب الثقافي".

​ التعليم المتميز ومواد الهوية

رؤية وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في إقرارها إضافة مواد الهوية إلى المجموع في المدارس الدولية تستند إلى فلسفة تربوية صلبة مفادها أن التعليم المتميز لا يعني الانسلاخ عن الوطن. 


ويرى خبراء تربويون أن القول بأن المدارس الدولية يجب أن تظل بمعزل عن المنهج الوطني هو طرح يتجاهل أبسط الأدبيات التربوية المستقرة عالميًا.


التجارب العالمية السيادة اللغوية والوطنية " خط أحمر" 



بالنظر إلى النماذج التعليمية في دول مثل فرنسا، ألمانيا، اليابان، وحتى دول الخليج العربي، نجد أن السيادة اللغوية والثقافية خط أحمر لا يُسمح لأي مؤسسة تعليمية أجنبية بتجاوزه أو تجاهله. وتؤكد تجارب تلك الدول أن تشكيل عقل الطالب على مفاهيم ومناهج أجنبية بالكامل، دون زاد من لغته الأم وتاريخ بلاده، ينتج شريحة من الشباب تعيش مغتربة داخل وطنها، عاجزة عن التواصل مع مجتمعها أو فهم تعقيداته الجيو-سياسية والاجتماعية، وهو ما يجعل صون الذات والهوية ضرورة أمنية وتربوية لا تقبل المساومة.

​معارضو القرار

في سياق مخالف، يرى عدد من أولياء الأمور المعارضين لقرار إضافة مواد الهوية للمجموع في المدارس الدولية، أن القرار يحمل الطلاب أعباء تعليمية، إضافة إلى أن إضافة تلك المواد للمجموع يمثل تهديدًا لمستقبل أبنائهم في الوصول إلى الجامعة التي يرغبون فيها، ويرون أن القرار تم تطبيقه دون تمهيد كافٕ من وزارة التربية والتعليم، وكان يجب أن يتم التطبيق على مراحل وليس مرة واحدة.


التعليم تفند آراء معارضي قرار الهوية الوطنية

وفقًا لمصادر بوزارة التربية والتعليم فإن فحص الأصوات والآراء التي تهاجم القرار أو تشكك في جدواه، يكشف تناقضًا منهجيًا فعلى سبيل المثال، يروج المعارضون لادعاء وهمي يفيد بأن إضافة مواد الهوية يمثل عبئًا دراسيًا يضرب الجودة الأكاديمية ويضعف تركيز الطلاب على العلوم والتكنولوجيا أو المنظومات الدولية.

وبحسب مصادر بوزارة التربية والتعليم فإن هذا تضاد مصنوع؛ فهل إتقان الطالب للغته الأم يمنعه من الإبداع في الفيزياء أو البرمجة؟ 
وتؤكد المصادر أن  الدراسات التربوية أثبتت مرارًا أن تمكن الطفل من لغته الأولى يطور قدراته الذهنية وتحليله النقدي، مما يعزز أداءه في مختلف العلوم. كما أن المنظومات التعليمية الدولية الشاملة تشجع أصلًا على التعددية اللغوية وفهم بيئة الطالب المحلية، ولا تتعارض أبدًا مع الانتماء الوطني.

​وتضيف مصادر وزارة التربية والتعليم أن التناقض أيضًا يظهر في التذرع بـ "حرية الاختيار" ومرونة الاستثمار التعليمي، حيث يرى فريق من أصحاب المصالح أو أسر الطلاب أن المدارس الدولية تقدم خدمة خاضعة لقوى السوق، وأن لولي الأمر الحق المطلق في تحديد ما يتعلمه ابنه بعيدًا عن رقابة الدولة. وهنا يقع خلط  بين مفهوم "الخدمة التجارية" ومفهوم "التربية والتعليم"، فالتعليم سيادة وطنية وليس سلعة ترفيهية تخضع لأهواء المستهلك.


الاستثمار في التعليم وتطبيق الدستور

وأكدت مصادر بوزارة التربية والتعليم أن إتاحة الاستثمار الأجنبي والخاص في التعليم لا تعني بحال من الأحوال تنازل الدولة عن دورها الدستوري في تنشئة مواطن ينتمي لأرضه وأمته. وأشارت المصادر إلى أن بعض الرؤى الرافضة تلجأ إلى نغمة مضمرة، مفادها أن المناهج الوطنية أقل شأنا من غيرها، في حين أن جامعات العالم الكبرى لا تبحث عن نُسخ كربونية غربية، بل تبحث عن عقول متميزة تمتلك أصالة وثقافة ثرية وقدرة حقيقية على تقديم إضافة متنوعة.

​وتابعت مصادر بوزارة التربية والتعليم أن الانتقال بمناهج الهوية الوطنية من وضع الإعفاء أو التهميش إلى وضع التطبيق الجاد لمواد الهوية بمثابة نقلة نوعية كبرى في مسار الوعي الوطني؛ فهو يحول الطالب من حالة الاغتراب الفكري والضعف في  الوصل بقضايا وطنه إلى إدراك جاد وفاعل لتاريخه وقضاياه المعاصرة.


كما يردم الهوة الطبقية والانعزالية التي خلفها التهميش اللغوي، مانحًا إياه حصيلة لغوية تضمن له التفاعل الإيجابي والتكامل الحقيقي مع باقي شرائح المجتمع، بدلًا من الشخصية أحادية البعد التي تستمد قيمها من الخارج فقط، تفرز هذه السياسات شخصية متوازنة تجمع ببراعة بين الأدوات العصرية والجذور الحضارية، وتكرس هيبة الدولة وسيادتها التعليمية في مواجهة المناهج عابرة الحدود.

​وتؤكد مصادر بوزارة التربية والتعليم أن قرارات وزارة التربية والتعليم بشأن مواد الهوية في المدارس الدولية هي مشروع استرداد حقيقي لـ "الوعي الوطني".

 وأنها خطوة جادة لتأكيد أن مصر، وهي تفتح أبوابها للعلوم الحديثة والشراكات التعليمية العالمية، لن تسمح بأن تكون هذه الأبواب منافذ لتجريف الهوية أو صناعة أجيال منقطعة الجذور.

الجريدة الرسمية