الغابة لا تحب نقار خشب
لم تكن الغابة تكره الألم، بل كانت تكره من يوقظها منه. فقد اعتادت أن تنام كل ليلة على صوت النهر، وتستيقظ على زقزقة العصافير، وتتناول أخبارها من فم الببغاوات التي لا تحفظ من الدنيا إلا ما يرضي آذان السامعين. وكان للأسد قصر عند المنعطف الكبير، تحرسه الضباع، وتطوف حوله الذئاب، بينما تتوزع بقية الحيوانات على الأشجار والجحور، كل يطلب رزقه، ويشكر الغابة على ما تمنحه، حتى لو لم تمنحه سوى الظل.
في تلك الغابة، عاش نقار خشب عجوز، ورث عن أبيه منقارا قويا، وعادة سيئة في نظر الجميع: كان ينقر الأشجار المريضة. إذا وجد جذعا يأكله السوس، وقف عليه ساعات، وأخذ ينقره بعناد، حتى تتناثر القشور، وتنكشف الأنفاق التي حفرتها الديدان في قلب الخشب. وكان صوته يزعج السناجب النائمة، ويفزع العصافير الصغيرة، ويجعل بعض القرود تتوقف عن مضغ الموز لتلعنه من فوق الأغصان.
قال له قرد ذات صباح، وهو يقشر موزة ناضجة: لماذا لا تترك الأشجار وشأنها؟ انظر إلى هذه الشجرة، إنها خضراء من الخارج، ولا ينقصها شيء. أنت الذي تصنع فيها الثقوب، ثم تتباهى باكتشاف ما بداخلها.. لم يرد نقار الخشب. وضع أذنه على الجذع، ونقر ثلاث نقرات، ثم انتقل إلى غصن آخر.
كانت الأشجار في تلك الأيام تتساقط بلا سبب ظاهر. تسقط واحدة في الليل، وأخرى مع الفجر، وتنهار ثالثة في منتصف النهار، فتدهس جحر أرنب، أو تحطم عشا، أو تسد مجرى صغيرا كانت تشرب منه الغزلان. وكلما سقطت شجرة، خرجت الببغاوات لتعلن أن الرياح كانت شديدة، وأن الأعمار بيد الغابة، وأن الأشجار التي تسقط لا بد أنها كانت ضعيفة منذ البداية.
أما نقار الخشب، فكان يقول: إن الريح ليست مسؤولة عن كل شيء، وإن هناك سوسا يعيش في الجذوع، وإن الخشب الذي يبدو سليما قد يكون قد مات من الداخل. ولأن كلامه كان يفسد على الجميع متعة الاطمئنان، اجتمعت الضباع والذئاب في مجلس الأسد، وقررت أن تصدر بيانا يحذر الحيوانات من نقار الخشب، الذي يثير القلق، ويشكك في سلامة الأشجار، ويزرع الخوف في نفوس صغار الغابة.
قال أحد الذئاب: الغابة تحتاج إلى الأمل، لا إلى الثقوب. وقال ضبع آخر: إن كثرة الحديث عن السوس تجلب السوس، وكثرة التحذير من سقوط الأشجار تجعل الحيوانات تفقد الثقة في الغابة.. هز الأسد رأسه موافقا، ثم أمر بأن تمنح الببغاوات مزيدا من الحبوب، وأن تعلق على الأشجار السليمة لافتات كتب عليها: غابتنا بخير.
في اليوم التالي، امتلأت الأغصان بالببغاوات. كانت تصرخ بفرح، وتردد العبارة حتى حفظتها السناجب، ورددتها الأرانب، وبدأت الغزلان تقولها كلما مرت بجذع ضخم. أما نقار الخشب، فقد وجد نفسه وحيدا. لم يعد أحد يدعوه إلى الأعشاش، ولم تعد العصافير تترك له مكانا في اجتماعاتها، وصار القرد الذي نصحه بترك الأشجار يضحك كلما سمع نقراته.
ومع ذلك، لم يتوقف. كان يعرف أن منقاره لا يخلق السوس، وأن الصمت لا يشفي الخشب، وأن الجذع الذي لا يؤلم أحدا حين تنقره قد يقتل كثيرين حين يسقط.
وفي مساء بارد، وقف فوق شجرة شاهقة في قلب الغابة. كانت شجرة قديمة، تتدلى أغصانها فوق الطريق الذي تسلكه الحيوانات إلى النهر. بدت سليمة، مورقة، مهيبة، حتى إن الأسد نفسه كان يتباهى بها أمام ضيوفه. اقترب نقار الخشب من جذعها، ووضع أذنه عليه. سمع في الداخل خشخشة خافتة.
نقر مرة. ثم ثانية. ثم أخذ ينقر بعنف، حتى انشق اللحاء، وظهرت تحته مئات الثقوب الصغيرة، تعج بديدان بيضاء لا تكف عن الأكل. صرخت الببغاوات: إنه يشوه أجمل أشجار الغابة. وقالت القرود: ألا يستطيع أن يختار شجرة أقل أهمية؟
أما الضباع، فقد أرسلت ذئبا ليطلب منه الابتعاد، لكنه ظل ينقر، كأنما يسمع في قلب الجذع صرخة لا يسمعها سواه.
وفي تلك اللحظة، هبت ريح خفيفة. ارتجفت الشجرة. ثم سقطت.
كان السقوط أسرع من أن تهرب الحيوانات التي تجمعت تحتها لمشاهدة الفضيحة. تحطمت أعشاش، وتهدمت جحور، وانسد الطريق إلى النهر، وغطى الغبار المكان الذي كان قبل لحظات مزدحما بالزهو والتصفيق.
نجا نقار الخشب لأنه كان قد ابتعد إلى غصن مجاور. أما القرد الذي اتهمه بإفساد الأشجار، فقد نجا بأعجوبة، لكنه فقد مخزونه كله تحت الجذع المحطم. وخرج من بين الحطام وهو يضرب صدره ويصرخ: لماذا لم يخبرنا أحد أن الشجرة ستسقط؟ لم يجبه أحد.
كانت الببغاوات قد طارت إلى شجرة أخرى، وأخذت تبحث عن عبارة جديدة تصلح لتعليقها على الأغصان. وانشغلت الضباع بتقدير حجم الخسائر، بينما وقف الأسد بعيدا، ينظر إلى الطريق المسدود، ويفكر في كيفية إقناع الغابة بأن ما حدث لا يدل على وجود خلل في الأشجار.
وفي الصباح، عاد نقار الخشب إلى عمله. وجد أرنبا صغيرا ينتظره عند جذع شجرة مريضة، فسأله الأرنب: ألا تخاف أن يكرهوك لأنك تؤلم الأشجار؟ قال نقار الخشب: أنا لا أؤلم الأشجار يا صغيري. أنا أوقظ ما بقي فيها من حياة. ثم وضع منقاره على الجذع، وأضاف: الشجرة التي لا تحتمل نقرات قليلة، قد لا تترك لأحد فرصة ليحتمل سقوطها.
فكر الأرنب قليلا، ثم سأله: ولماذا لا تنقر الأشجار السليمة، حتى لا نخاف عليها؟ ابتسم العجوز، وقال: لأن مهمتي ليست أن أجعل كل الأشجار تتألم، بل أن أجعل الغابة تعرف أيها يتألم، ولماذا. ثم بدأ النقر.
وكان صوته، في تلك اللحظة، أشبه بساعة صغيرة تدق داخل صدر الغابة، لا تمنح أحدا النوم، ولا تسمح لأحد أن ينسى أن الخطر قد يكون مختبئا في أكثر الأماكن اخضرارا. ومنذ ذلك اليوم، صار بعض الحيوانات يضيقون بصوته، وبعضهم يتمنى لو يصمت، وبعضهم يتهمه بأنه لا يحب الغابة.
لكن الحيوانات التي فقدت أعشاشها تحت الأشجار الساقطة، تعلمت شيئا لم تستطع الببغاوات أن تنسخه في بياناتها:
ليس كل صوت يزعج الغابة خطرا عليها، وليس كل صوت يطمئنها دليلا على نجاتها. فأحيانا، يكون أكثر الأصوات إزعاجا هو الصوت الوحيد الذي يحاول إنقاذها.
