رئيس التحرير
عصام كامل

لسان ميار.. من يملك الشاشة؟

18 حجم الخط

استطاع الخليج أن يفرض حضوره بقوة في المشهد الإعلامي العربي، خصوصا في المحتوى الإخباري والصحافة التلفزيونية، عبر قنوات مثل الجزيرة والعربية وسكاي نيوز. ورغم أن كثيرا من الكوادر التي تصنع هذا المحتوى ليست خليجية، فإن المنتج النهائي يقدم بهوية خليجية واضحة؛ بلهجة محلية أو بفصحى تحمل ملامح اللكنة الخليجية.

 

لهذا لم يعد مستغربا أن يظهر إعلاميون مصريون أو شخصيات مصرية وهم يتحدثون بفصحى أقرب إلى النطق الخليجي منها إلى الفصحى المصرية. فالإعلام لا تصنعه الكفاءات وحدها إذ يؤثر رأس المال، وانتشار المؤسسات، والقدرة على إنتاج محتوى يتابعه الجمهور في أنحاء المنطقة.

 

وقد ركزت القنوات الخليجية على القضايا العربية والدولية، ومنحت الشأن المصري مساحة واسعة، فيما ظل تناول القضايا الداخلية في دولها محدودا نسبيا بل محدود جدا، وهكذا صنعت حضورا إقليميا مؤثرا، حتى عندما استعانت بخبرات صحفية وفنية من خارج الخليج.

 

في المقابل، تمتلك مصر موارد بشرية وخبرات إعلامية واسعة، لكن مشهدها التلفزيوني يعاني قيودا تحد من قدرته على المنافسة. فحين تتقدم المصالح والعلاقات على الكفاءة، وحين تضيق مساحة النقاش الجاد حول القضايا الحساسة، تتراجع فرص بناء إعلام قوي قادر على استعادة جمهوره ومكانته.

 

لكن هذا الحضور الخليجي في الإعلام لا يعني أن اللهجة الخليجية ستسود حياة الناس، أو أن سكان القاهرة سيتحدثون بها غدا. فصناعة قناة ناجحة لا تكفي وحدها لتغيير الذائقة اليومية. والخليج، في المجال الإخباري، استفاد من خبرات عربية ودولية تصنع المحتوى، بينما يظهر المذيع أو المقدم الخليجي في الواجهة. لذلك تبدو الهوية النهائية خليجية، حتى عندما يكون جزء كبير من المطبخ الإعلامي من خارج الخليج.

 

أما في الترفيه، فالمعادلة مختلفة.. لا يزال الإنتاج المصري حاضرا بقوة في الدراما والسينما والموسيقى، وتعتمد عليه قطاعات واسعة من الجمهور العربي. ويمكن تشبيه ما حدث في هذا المجال بما جرى في الدوري السعودي.. استقطاب أسماء جاهزة ولامعة منح المسابقة بريقا سريعا، لكنه لا يغني وحده عن بناء منظومة تنتج اللاعبين والمدربين وتطور قواعد اللعبة.

 

وهنا تكمن نقطة مهمة في سؤال اللهجة الأكثر انتشارا. فليس كل الناس يحلمون بالعمل مذيعين في قناة إخبارية، لكن الملايين يشاهدون الأفلام والمسلسلات ويستمعون إلى الأغاني. وهذه منتجات يومية تدخل البيوت وتؤثر في الذائقة واللغة أكثر مما تفعله نشرة الأخبار. وفي هذا الميدان، لا يزال للمنتج المصري حضور يصعب تجاهله.

 

أما الجدل الذي صاحب فوز الطفلة المصرية ميار عثمان بالمركز الأول في تحدي القراءة العربي، فهو مدخل إلى نقاش أوسع، لا ينبغي أن يطغى على إنجازها. فطريقة نطق الفصحى قد ترتبط لدى بعض الناس بالفخامة والثقافة، وقد تتأثر بما يسمعونه على الشاشات والمنصات. لكن الفصحى ليست ملكا للهجة بعينها، وإتقانها لا يتطلب أن يتخلى المتحدث عن ملامح صوته ولهجته.

القضية، إذن، ليست منافسة بين لهجتين بقدر ما هي سؤال عن من يملك المنصة، ومن يملك القدرة على إنتاج محتوى يصل إلى الجمهور ويؤثر فيه. الخليج استثمر في الإعلام فحصد حضورا واسعا، ومصر ما زالت تملك أدوات قوية في الترفيه والثقافة. واستعادة موقعها الإعلامي تبدأ بتقدير الكفاءات، وتوسيع مساحة النقاش، وبناء صناعة تمنح الموهوبين فرصة حقيقية للظهور والإبداع.

الجريدة الرسمية