رئيس التحرير
عصام كامل

قل لابنك يا غريب كن أديب

18 حجم الخط

هناك فرق كبير بين أن تمنح ابنك الحرية، وبين أن تتركه وحيدا في مواجهة أخطائه، فالحرية التي نعطيها لأبنائنا ليست شهادة إعفاء من الأبوة، وليست شيكا على بياض بأننا لم نعد مسؤولين عما يحدث لهم، أنت تربي إنسانا، لا تربي طائرا تفتح له القفص ثم تقول له يلا يا حبيبي لقد أصبحت حرا، طريق السلامة يا أبو نسمة.. طيب على الأقل قل لابنك إذا تغرب في بلاد الله: يا غريب كن أديب!

 

نعم، من حق أبنائنا أن يختاروا ويجربوا وأن يخطئوا، وأن يختلفوا معنا، وأن تكون لهم شخصياتهم وصداقاتهم وأذواقهم وأحلامهم، وألا يعيشوا نسخة بالكربون من آبائهم، لكن هل يعني ذلك أن نقف متفرجين حين نرى ابنا يتجه إلى طريق نعرف، أو نظن، أنه سيؤذيه؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية..

 

بعض الآباء يخلطون بين احترام شخصية الابن وبين الانسحاب من حياته. يقول لك: هو حر، هو كبير، هذه حياته، دعه يفعل ما يشاء. والكلام يبدو في ظاهره راقيا جدا، لكنه أحيانا لا يكون سوى طريقة أنيقة للتخلي عن أصعب جزء في الأبوة.. أن تقول لابنك ما لا يريد سماعه.

 

الأبوة ليست مؤتمرا لحقوق الإنسان، والأب ليس مراقبا محايدا يجلس في الصف الأخير ويسجل الملاحظات.. هناك لحظات لا تحتاج فيها إلى محاضرة طويلة، بل إلى أب يقول لابنه ببساطة: أنا أراك، وأنا قلق عليك، وهذا الطريق لا أريده لك.

 

قد يغضب الابن، وقد يتهم أباه بأنه لا يفهمه، وقد يعتقد الأب نفسه أنه خسر الجولة، لكن بعض المعارك داخل البيوت لا تقاس بمن انتصر فيها ليلة وقوعها، وإنما بما أنقذته بعد سنوات.

 

والمفارقة أن بعض الأسر، خصوصا حين يكون الأب أو الأم من المشاهير وأصحاب المال والنفوذ، قد تقع في فخ مختلف، فالابن تحت الأضواء، والناس تراقبه، والصحافة تكتب عنه، والجمهور يحلل كل حركة، فيتحول الوالدان أحيانا، من حيث لا يشعران، إلى فريق علاقات عامة أكثر منهما أبا وأما. كل شيء يصبح قابلا للتبرير، وكل سلوك له تفسير، وكل اعتراض يتحول إلى اعتداء على الخصوصية، وكل نصيحة تصبح تدخلا في حياة شخص بالغ.

 

وبالطبع، ليس من حقنا أن نحاكم أبناء المشاهير لمجرد أنهم أبناء مشاهير، ولا أن نفترض أن ما نراه على مواقع التواصل يمثل الحقيقة الكاملة.. نحن لا نعيش داخل بيوتهم، ولا نعرف تفاصيل علاقاتهم، ولا نملك حق إصدار أحكام أخلاقية على أشخاص لمجرد صورة أو مقطع فيديو أو سلوك متداول. لكن الفكرة أكبر من المشاهير بكثير. 

هي تخص كل أب وأم يسألان نفسيهما، في لحظة ما.. أين تنتهي حريتي في تربية ابني، وأين تبدأ حريته في أن يعيش حياته؟ متى تتحول الحرية إلى إهمال؟ ومتى يصبح احترام اختيار الابن ذريعة للهروب من مسؤولية النصح؟

 

الأب الذي يمنع ابنه من كل شيء لا يصنع بالضرورة إنسانا قويا، بل قد يصنع إنسانا يجيد الكذب.. والأب الذي يترك ابنه يفعل كل شيء دون كلمة أو حدود قد لا يصنع إنسانا حرا، بل إنسانا لم يتعلم أن للقرارات أثمانا. الحكمة في المنطقة الواقعة بين الاثنين.. أن تقول لابنك هذا رأيي، وهذه أسباب خوفي عليك، لكن القرار في النهاية لك.

تلك ليست سيطرة، بل تربية. أن تحذره من صديق لا تثق به، أو من علاقة ترى أنها تؤذيه، أو من سلوك تراه بسيطا بينما ترى أنت عواقبه المحتملة، لا يعني أنك تريد امتلاك حياته. وأن تقول له «لا» لا يعني أنك تكرهه. أحيانا تكون كلمة «لا» واحدة من أكثر الكلمات حبا في حياة الإنسان.

 

الأب الذي يرى ابنه يغرق ثم يكتفي بالقول: لكنه اختار السباحة، ليس بالضرورة أبا متسامحا، فربما يكون فقط قد نسي أن وظيفته ليست أن يحترم الغرق، وإنما أن يحاول إنقاذ ابنه. ومع ذلك، هناك فارق كبير بين الإنقاذ والسيطرة.. ليس مطلوبا من الأب أن يمسك بابنه من رقبته كلما أخطأ، ولا أن يحول البيت إلى سجن، ولا أن يستخدم المال أو السلطة أو الخوف لإجباره على أن يصبح نسخة يريدها منه.

 

الأبناء ليسوا مشاريع شخصية لآبائهم، لكنهم أيضا ليسوا غرباء نمر بجوارهم ونقول: شأنك. نحن نربي أبناءنا لكي يستطيعوا يوما أن يعيشوا من دوننا، لا لكي يعيشوا تحت ظلنا إلى الأبد، ولهذا فإن الحرية الحقيقية لا تبدأ عندما نقول للابن: افعل ما تشاء، بل عندما نعلمه كيف يتحمل نتيجة ما يفعل.

 

وهنا يظهر الحب في صورته الأصعب.. أن تترك لابنك مساحة، لكن تظل قريبا، أن تحترم اختياره، لكن تقول رأيك بوضوح؛ أن تقبل اختلافه، لكن لا تتوقف عن تحذيره؛ وأن تسمح له بالسقوط، لكن لا تتركه على الأرض. فالابن لا يحتاج أبا يصفق له في كل الأحوال، ولا يحتاج شرطيا يراقب كل خطوة. يحتاج أبا يستطيع، حين تستدعي اللحظة، أن يقول له من دون خوف ولا تجميل.. أنا أحبك، ولذلك لن أكذب عليك.

وربما تكون هذه هي المسألة كلها.. أن نفهم أن الحب ليس دائما أن نترك من نحب يفعل ما يريد، بل أن نمتلك الشجاعة لنقول له إننا نراه يسير في الطريق الخطأ، حتى لو كان يعرف الطريق أكثر منا، وحتى لو غضب منا، وحتى لو اتهمنا بأننا لا نفهمه.

فالحرية بلا بوصلة قد تصبح تيها، والرقابة بلا حب تصبح سجنا، أما الأبوة الحقيقية فهي أن تعطي ابنك جناحين، وتعلمه في الوقت نفسه أن السماء واسعة، لكن الأرض موجودة.

الجريدة الرسمية