أنا مواطن صالح للاستهلاك المجتمعي
محسوبكم مواطن صالح للاستهلاك المجتمعي، أعرف كيف أبدو طبيعيا في صورة جماعية، حتى لو كنت لا أعرف نصف الواقفين فيها، أبتسم عند العد إلى ثلاثة، وأحذف الصورة التي أغمضت فيها عيني، ثم أوافق على نشر الصورة التي أبدو فيها سعيدا، كي لا يسألني أحد عما ينقصني.
أقول صباح الخير للجيران، حتى لمن لا أعرف اسمه، وأقول: «الدنيا بقت صعبة» حين لا أجد موضوعا آخر، هذه الجملة تصلح في المصعد، وعلى مقعد الحلاق، وفي طابور المخبز. لا تحتاج إلى تفاصيل، ولا يطلب أحد إثباتا عليها.
في المواصلات، أفسح مكانا لكبير السن، ثم أراقب بقية الركاب كي أعرف هل شاهدوني أم لا. فإذا شكرني، قلت: «ده واجب»، وإذا لم يشكرني، قلت إن الناس لم تعد تقدر المعروف. أعرف أن العمل الصالح يفقد نصف قيمته إذا لم يره أحد، لكنني أفعله رغم ذلك، تحسبا لأن ينشر أحدهم صورة لي في يوم من الأيام.
أشارك في الحديث عن الأزمة حتى نهايتها، حتى لو لم أعرف بدايتها. أقول إن الحل بسيط، وإن المسؤولين لا يفهمون، وإن الناس هي السبب، وإن الزمن تغير. أبدل موقفي بحسب من يجلس أمامي، وأحافظ على نبرة الواثق. ففي المجتمع، لا تكفي الإجابة أحيانا، المهم أن تقولها كأنك كنت حاضرا حين بدأت المشكلة.
إذا تشاجر شخصان في الشارع، أقف بعيدا بما يسمح لي بالمشاهدة، وقريبا بما يكفي لأروي القصة لاحقا. لا أتدخل، لكنني أقول لمن يسألني إنني حاولت تهدئتهما. وإذا صور أحدهم الحكاية، أتأكد أن وجهي لم يظهر في الخلفية، فالمجتمع يحب الشهود، لكنه لا يحب أن يتحمل الشهود مسؤولية الشهادة.
أحترم خصوصية الناس، خصوصا حين لا أعرف عنهم شيئا. أما إذا عرفت، فالأمر يصبح مختلفا قليلا. أنقل الخبر إلى شخص واحد فقط، وأطلب منه ألا يخبر أحدا. ثم أكتشف بعد أيام أن الخبر صار معروفا لدى كل من طلبت منهم كتمانه. أتعجب من سرعة انتشار الكلام، كأن الألسنة تعمل بنظام التوصيل السريع.
أحزن على الفقراء، وأضع صورة طفل محتاج على صفحتي، ثم أكتب: «ارحموا من في الأرض». أحيانا أتصدق، وأحيانا أكتفي بالتعليق، فالنية الطيبة مهمة، خصوصا حين لا يكون في الجيب ما يكفي لإثباتها.
أدافع عن الضعفاء ما داموا بعيدين. أكتب عن الظلم الذي وقع في مدينة أخرى، وأغضب من القسوة التي لا تمس أحدا أعرفه. أما إذا اقتربت الحكاية من بيتي أو عملي أو أصدقائي، أبدأ في البحث عن الصورة الكاملة، وأقول إننا لا نعرف كل التفاصيل. فجأة يصبح التريث فضيلة، وتصبح الحقيقة متعددة الوجوه، ويصبح الصمت نوعا من الحكمة.
أنا لا أكره أحدا، لكنني أفضل أن يعيش كل شخص بالطريقة التي لا تزعجني. لا أتدخل في اختيارات الآخرين، ما دامت لا تظهر أمامي. لا أطلق الأحكام، إنما أكتفي بعبارة: «كل واحد حر»، ثم أتبعها بصمت طويل يفهم منه الجميع ما لم أقله.
في نهاية اليوم، أعود إلى البيت وقد أديت واجباتي المجتمعية: ابتسمت، وعلقت، وشاركت، وواسيت، وأدنت، وأعجبتني منشورات كثيرة. لم يتغير شيء، لكنني كنت حاضرا في كل مكان.. أنا مواطن صالح للاستهلاك المجتمعي. أستهلك أخبار الناس، ويستهلك الناس صوري، ونبادل بعضنا العبارات ذاتها حتى لا يضطر أحد إلى الاعتراف بأنه لا يعرف ماذا يفعل.
التوقيع: واحد من الناس
