أين دول المنطقة؟
واشنطن وتل أبيب: من العرج الانتخابي إلى شراكة استراتيجية (1)
أليس غريبًا استمرار القنوات الإعلامية العربية في تغطية الانتخابات النصفية الأميركية باعتبارها من أهم الانتخابات في تاريخ الولايات المتحدة؟ فالمتابع لهذه التغطيات قد يتصور أنّ مصير الحرب مع إيران ومستقبل الشرق الأوسط سيتحددان بنتائجها، بينما يغيب عن الاهتمام تحول استراتيجي أميركي أكثر أهمية، يتعلق بإعادة صياغة العلاقة العسكرية مع إسرائيل، وما قد يترتب عليه من نقلة نوعية في قدرات الجيش الإسرائيلي وصناعاته الأمنية والعسكرية.
يبدو المشهد الانتخابي أعرج على جانبي العلاقة الأميركية الإسرائيلية؛ ففي إسرائيل، أفرزت نتائج الانتخابات مشهدًا سياسيًا مأزومًا لم يحسم معادلة الحكم، وفي الولايات المتحدة، جاءت نتائج الانتخابات النصفية لتضع ترامب أمام واقع سياسي مختلف، بعد فقدان حزبه السيطرة على مجلسي الكونغرس. لكن هذا التعثر الانتخابي على جانبي العلاقة لا يعني بالضرورة تعثر التوجهات الاستراتيجية أو توقف مسارات إعادة تشكيل ميزان القوى.
فإعلان ترامب عزمه وقف المساعدات العسكرية الأميركية المباشرة لإسرائيل، التي تبلغ قيمتها نحو أربعة مليارات دولار سنويًا، لا ينبغي قراءته باعتباره ضربة لإسرائيل أو تراجعًا في الدعم الأميركي لها؛ بل قد يكون مدخلًا إلى تطور نوعي في طبيعة العلاقة العسكرية بين البلدين، وانتقالها من نموذج المساعدات إلى نموذج الشراكة في تطوير التكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
وهذه، إذا مضت في اتجاهها، قد تكون من أهم التحولات الاستراتيجية في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب خلال العقود الأخيرة.
لفهم هذه المفارقة، لا بد من التمييز بين ما تفرزه الانتخابات الأميركية من تحولات في موازين القوى السياسية الداخلية، وما تملكه فعليًا من قدرة على تغيير الاستراتيجيات الأميركية بعيدة المدى. فالانتخابات النصفية، على أهميتها، لا تعني بالضرورة تغييرًا في توجهات السياسة الخارجية، كما أنّ إضعاف الرئيس داخليًا لا يعني بالضرورة تقييد قدرته على إدارة الملفات العسكرية والاستراتيجية.
ومن هنا، يصبح من الضروري تفكيك ثلاثة مستويات متداخلة: حدود تأثير الانتخابات في قرار الحرب على إيران، وطبيعة الصراع الداخلي الأميركي ومستقبل ترامب، ثم التحول الأعمق في طبيعة الشراكة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب.
الانتخابات النصفية وحدود التأثير
الانتخابات النصفية ليست انتخابات رئاسية. فأميركا نظامها الرئاسي يختلف عن الأنظمة البرلمانية؛ إذ لا يفقد الرئيس منصبه إذا خسر حزبه الأغلبية في الكونغرس، وتبقى لديه صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة.
صحيح أنّ الدستور الأميركي يمنح الكونجرس صلاحية إعلان الحرب، لكن منذ الحرب العالمية الثانية خاضت الولايات المتحدة حروبًا وعمليات عسكرية عديدة من دون إعلان حرب رسمي، وإنما استنادًا إلى تفويضات باستخدام القوة العسكرية صادرة عن الكونغرس، كما حدث في أفغانستان والعراق.
لذلك، فإنّ خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية لا تعني بالضرورة أنّ ترامب سيتوقف عن العمليات العسكرية ضد إيران. وصحيح أيضًا أنّ الكونجرس يستطيع ممارسة الضغط من خلال التمويل والرقابة والتشريعات، لكن تغيير السياسة العسكرية الأميركية ليس بهذه البساطة.
كما أنّ خسارة الحزب الذي يحكم البيت الأبيض في الانتخابات النصفية تكاد تكون هي القاعدة، وليست الاستثناء. فبالعادة، يخسر الحزب الحاكم مقاعد في مجلس النواب خلال هذه الانتخابات؛ ففي عام 2010، عندما كان أوباما رئيسًا، كسب الجمهوريون ثلاثة وستين مقعدًا إضافيًا في مجلس النواب. وفي عام 2018، خلال الولاية الأولى لترامب، كسب الديمقراطيون واحدًا وأربعين مقعدًا. وفي عام 2022، عندما كان بايدن رئيسًا، استعاد الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب.
وبالطبع، هناك استثناءات؛ ففي عام 1998 حقق الديمقراطيون مكاسب في عهد كلينتون، وفي عام 2002 كسب الجمهوريون ثمانية مقاعد إضافية في عهد جورج بوش الابن، في ظروف استثنائية أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
ثم إنّ تاريخ ما يُسمّى بمرحلة "البطة العرجاء" لم يُظهر، منذ الحرب العالمية الثانية، أنها شكّلت عائقًا حاسمًا أمام استمرار إنفاذ السياسات الأميركية الخارجية، بأبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ بل قد يزداد توجه الرؤساء خلالها إلى السياسة الخارجية لتحقيق إنجازات ذات أثر تاريخي، مستفيدين من هامش الاستقلال التنفيذي الأوسع الذي تتيحه لهم، وإن كانت هذه المرحلة قد تفرض أحيانًا قيودًا على قدرتهم على ترسيخ قراراتهم وضمان استمراريتها.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تأتي هذه التقلبات في الانتخابات النصفية في إطار تناغم سياسي تديره الدولة العميقة بين قطبي الحكم، أم أنها تعكس طبيعة الانتخابات النصفية التي تشكّل غالبًا فرصة للناخب الأميركي للتعبير عن عدم رضاه عن الإدارة الحالية، وممارسة نوع من المراجعة السياسية لأداء الحزب الحاكم؟
وعليه، فإنّ خسارة الجمهوريين وحركة ماغا في الانتخابات الحالية تمثل انتكاسة سياسية كبيرة، تمثلت في فقدان السيطرة على مجلسي الكونجرس، وتنقل ترامب إلى وضع يُعرف سياسيًا بـ"البطة العرجاء"، لكنها لا تعني سقوطه أو فقدانه صلاحياته الدستورية، أو انتهاء قدرته على التأثير في السياسة الأميركية والدولية.
إيران: التفوق العسكري ومأزق اليوم التالي
المشكلة الأكبر في الحرب مع إيران ليست قدرة الولايات المتحدة على تدمير أهداف عسكرية، وإنما ماذا بعد اليوم التالي للحرب؟ لا أعتقد أنّ أحدًا يشك في التفوق العسكري الأميركي، لكن التفوق العسكري شيء، وتحقيق نتيجة سياسية مستقرة شيء آخر تمامًا.
السؤال ليس فقط: هل تستطيع أميركا ضرب إيران وتدمير قدراتها العسكرية؟ بل هل تستطيع تحقيق الهدف النهائي من الحرب؟ وكيف يمكن معرفة أنّ الحرب انتهت بنجاح؟ وإذا انهار النظام الإيراني، فما البديل؟ هل ستتم عملية انتقال سياسي منظمة؟ أم أننا قد نشهد إدارة حرب أهلية، وصراعات قومية وطائفية، وموجات لجوء واسعة؟
وما موقف دول الجوار؟ فتركيا، مثلًا، لديها تاريخ طويل في استقبال اللاجئين، وأي انهيار واسع في إيران قد يخلق أزمة جديدة على حدودها. والأمر نفسه ينطبق على دول الخليج التي لا تخشى مخاطر الهجرة فحسب، بل تخشى أيضًا تراجع النمو الاقتصادي واضطراب التجارة والاستثمار، بما قد يؤثر سلبًا في رؤاها الطموحة للتحول إلى مراكز عالمية للتجارة والمال، ولا سيما السعودية والإمارات.
هذه الدول ليس من الضروري أنها تساند النظام الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تخشى عواقب انهيار دولة بحجم إيران، خصوصًا إذا لم تكن هناك رؤية واضحة لليوم التالي.
وتكتسب الحرب بين أميركا وإيران أهمية إضافية لأنها ليست حربًا متكافئة، لا من حيث القوة العسكرية، ولا حجم الخسائر، ولا حتى تعريف النصر والهزيمة؛ فأميركا تمتلك اقتصادًا ضخمًا ومؤسسات راسخة وقدرات عسكرية هائلة، في المقابل، يعاني الاقتصاد الإيراني أصلًا من سنوات طويلة من العقوبات والأزمات، وقد زادت الحرب من معاناته.
وهنا تبرز نقطة مهمة في إدارة الحرب؛ فالنظام الإيراني قد يتعرض لخسائر عسكرية واقتصادية هائلة، ثم يخرج أمام جمهوره ليقول إنه انتصر لأنه بقي وصمد. بينما قد يرى المواطن الأميركي ارتفاع أسعار البنزين، وإنفاق أموال طائلة على حرب لا يعرف هدفها النهائي، فيتساءل: ماذا استفدنا؟
ولهذا يستطيع الطرفان تعريف النصر بطريقتين مختلفتين تمامًا. فالولايات المتحدة تقيس النصر بمدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي دخلت الحرب من أجلها، بينما يستطيع النظام الإيراني أن يعتبر مجرد بقائه واستمرار قدرته على الحكم انتصارًا، حتى بعد خسائر فادحة.
وهذه إحدى المفارقات التي تجعل القرار الأميركي بشأن الحرب ليس قرارًا عسكريًا محضًا؛ فالسياسة الأميركية لا تعمل بهذه البساطة، والحروب لا تنتهي دائمًا بالطريقة نفسها التي تبدأ بها.
دوغين وقلق التحول الليبرالي
من الطبيعي تفهّم تحليل المفكر الاستراتيجي الروسي ألكسندر دوغين بشأن الانتخابات الأميركية ومستقبل ترامب والنظام العالمي، إذا وضعناه في سياق موقعه بوصفه خصمًا أيديولوجيًا وسياسيًا للولايات المتحدة، وصاحب رؤية مناهضة للهيمنة الليبرالية الغربية.
فبعد خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية وفقدانهم السيطرة على مجلسي الكونجرس، يرى دوغين في سقوط ترامب السياسي المحتمل مقدمة لقيام ديكتاتورية ليبرالية حقيقية، وأنّ انتقام الديمقراطيين من ترامب وأنصاره لن يشبه أي شيء رأيناه من قبل، بالنظر إلى حالة الرعب التي عاشوها عندما أنشأ إيلون ماسك هيئة الكفاءة الحكومية، وبدأ بتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID).
وقد ذهب دوغين إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنّ عزل ترامب ليس أمرًا مستبعدًا على الإطلاق، بما قد يمهد الطريق لنشوب حرب أهلية أميركية، بالنظر إلى حجم الاستقطاب الشديد في المجتمع. ولذلك يعتقد أنّ الأوضاع ستسخن وتلتهب كثيرًا في الولايات المتحدة.
وبصرف النظر عن مدى واقعية هذه التوقعات، فإنّ أهميتها تكمن في أنها تعكس قراءة أيديولوجية روسية للصراع الداخلي الأميركي، ولما قد يترتب عليه من تحولات في بنية النظام العالمي.
ترامب وإعادة إنتاج الهيمنة
يجب ألّا يغيب عن أذهاننا أنّ ترامب ليس سوى ممثل للقوى الإمبريالية التي تعمل خلف الكواليس، لكنه ليس بالضرورة أداة طيّعة في يدها. فهو يحمل في شخصيته تناقضات كثيرة، ويصطدم ببعض مراكز النفوذ التقليدية، ويهاجم بعض أسوأ تجليات المنظومة التي يمثلها، لكنه لا يستطيع في نهاية المطاف الخروج من إطارها أو تجاوز المصالح الاستراتيجية التي تقوم عليها.
فترامب لا يمثل نقيض الإمبريالية الأميركية، وإنما يسعى إلى إعادة صياغة أدواتها وشروط ممارستها، في ظل عالم تتراجع فيه قدرة واشنطن على فرض إرادتها بالوسائل التقليدية.
ومع ذلك، فهو بالتحديد الشخص الذي يحول دون انزلاق العالم نحو الانهيار في الوقت الحالي. فالعالم لا يزال يستند في جانب من توازناته إلى موقع الولايات المتحدة ودورها، وإلى قدرة ترامب على المناورة بين القوى الدولية المتنافسة.
إلا أنّ تناقضات شخصيته وسياساته تجعل الوضع شديد التوتر والخطورة، ليس على الأوروبيين والأميركيين فحسب، بل على روسيا نفسها أيضًا.
ونكمل غدا
