خيوط متشابكة: تفاهم شامل أم تخادم وظيفي؟
يشير تشابك الأحداث الدولية وتسارعها إلى أننا أمام صراع على أسس النظام العالمي، قد يرسم ملامحه لعقود مقبلة، وربما لقرن كامل، وفي هذا المناخ الصاخب، ومع استمرار تصاعد المواجهة، جاءت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران في أكتوبر 2026، وسط المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وتصاعد المخاطر على أمن البحر الأحمر وباب المندب.
وسبقت الزيارة مشاركة لافروف في الحوار الاستراتيجي بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي في البحرين، حيث دعا مسؤولون خليجيون موسكو إلى استخدام نفوذها لدى طهران لدفعها نحو الحوار واستعادة حرية الملاحة، وفي تحركين متعاقبين، سعت موسكو إلى الحفاظ على علاقاتها بالطرفين وتعزيز موقعها وسيطًا محتملًا.
لكن دلالة الزيارة تتجاوز احتمالات الوساطة؛ فهي تأتي في سياق تحركات أميركية روسية تثير تساؤلات بشأن حدود التفاهمات الممكنة. ففي أكتوبر 2026، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقًا مع موسكو لتوريد كميات إضافية من الديزل الروسي، بالتزامن مع إصدار ترخيص أمريكي مؤقت يسمح بمعاملات محددة تتعلق بإمدادات الديزل الروسي حتى أبريل 2027؛ ورغم ارتباط الخطوة باضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود، فإنها تمثل استثناءً محدودًا من العقوبات، لا رفعًا عامًا للقيود المفروضة على صادرات الطاقة الروسية.
وتكمن المفارقة في أنّ واشنطن، التي تستخدم العقوبات للضغط على موسكو، أتاحت منفذًا تجاريًا روسيًا استجابة لاعتبارات السوق. ومع محدودية الأثر المتوقع لهذه الخطوة في تخفيف أزمة الإمدادات العالمية، يبرز التساؤل عن احتمال ارتباطها بمساومات أوسع. ويتعزز هذا التساؤل مع الضغوط الأميركية على كييف بشأن استهداف منشآت الطاقة الروسية، والتوترات المتعلقة بالدعم العسكري والاتصالات الفضائية، في مقابل غياب تنازلات روسية معلنة تتناسب بوضوح مع المرونة الأميركية.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند النظر إلى الصين. فقد علّقت أميركا حزمة محتملة لبيع أسلحة لتايوان، بقيمة تقارب أربعة عشر مليار دولار، وَفق تقارير إعلامية، رغم تأكيد تايوان أنّ السياسة الأميركية تجاهها لم تتغير. ويعكس ذلك احتمال دخول الملف التايواني في حسابات التفاوض الأميركي الصيني، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود مقايضة بين الطرفين.
وفي سياق متصل، طُرحت إمكانية عقد قمة تجمع ترامب والرئيس الروسي بوتين والرئيس الصيني شي بينغ، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في الصين خلال نوفمبر المقبل. غير أنّ انعقادها وجدول أعمالها لم يكونا قد حُسما حتى الآن. وتتيح هذه التطورات التساؤل عن إعادة ترتيب الأولويات بين القوى الكبرى، لكنها لا تثبت وجود تفاهم بشأن تايوان أو إيران.
هنا تبرز فرضية المقايضات الاستراتيجية: أوكرانيا أولوية لموسكو، وتايوان قضية محورية لبكين، وإيران ملف مهم لواشنطن. فهل تصبح هذه الملفات أوراقًا متبادلة، تمنح فيها قوة مرونة في قضية مقابل تحسين موقعها في أخرى؟ غير أنّ المعطيات لا تقطع بوجود مقايضة ثلاثية، إلا أنّ تزامن التطورات وترابط بعض المصالح يتيحان طرح الفرضية واختبارها.
في زمن السيولة الاستراتيجية، لا تمنع التحالفات الخلاف، ولا تغلق الخصومات باب التفاهم؛ فقد تتعاون القوى في مجال وتتواجه في آخر. ومن هنا يبرز مفهوم التخادم، أو التقاطع الوظيفي للمصالح، بوصفه مدخلًا لفهم استفادة قوى متنافسة من نتائج تحركات بعضها، عبر تفاهمات محددة أو مقايضات ضمنية، أو حتى من دون اتفاق مسبق. فقد تتباين الأهداف، بينما تتقاطع النتائج وتخدم مصالح أطراف مختلفة، من دون ضرورة وجود تواطؤ أو تنسيق مباشر.
وتظهر أهمية ذلك في الموقف الأميركي من إيران: هل تسعى واشنطن إلى تحجيم دورها وإجبارها على الانكفاء، أم إلى تغيير النظام وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية؟ وهل يكفي التوصل إلى ترتيبات بشأن البرنامج النووي والقدرات العسكرية، أم يتطلب الأمر تفكيك شبكة النفوذ التي بنتها طهران عبر حلفائها؟ فهذه الشبكة ليست مجرد امتداد عسكري، بل أداة لتوسيع النفوذ وإدارة الصراع، بما يُبقي المواجهة بعيدًا عن الأراضي الإيرانية ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، بما يمنح طهران عمقًا إقليميًا وأوراق ضغط في أي تفاوض.
لذلك قد ترى دوائر في النظام أنّ التخلي عنها مقدمة لتراجع نفوذه وتهديد استمراره. كما أنّ تغيير النظام، إن حدث، لا يضمن تلقائيًا اختفاء المصالح الإقليمية التي تشكّلت حوله.
ويثير ذلك تساؤلًا آخر يتعلق بأمن الخليج: إذا كانت واشنطن تسعى إلى إنهاء التهديد الإيراني، فكيف تُقاس نتائج سياستها في ظل استمرار المخاطر الجيو سياسية والاقتصادية، التي تطال حلفاءها واضطراب الملاحة؟ وهل تتجاوز أهدافها معالجة الخطر المباشر إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية والاقتصادية بما يعزز نفوذها على الممرات الحيوية والمنطقة معًا؟
وهل تُقاس فاعلية الضغط بقدرته على إنهاء التهديدات الإقليمية، أم بمدى إسهامه في إعادة تشكيل موازين النفوذ بين الدول الوازنة في المنطقة، بما فيها إسرائيل، حتى لو استمرت بعض المخاطر خلال مرحلة المواجهة؟
لا تعني هذه الأسئلة أنّ واشنطن تتعمد إطالة الحرب، بل تدعو إلى فحص مدى تطابق نتائج سياستها مع المصالح الأمنية الآنية والاستراتيجية لحلفائها، ورؤيتها الاستراتيجية للمنطقة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. ويمتد هذا التداخل إلى الجغرافيا الاقتصادية؛ فاضطراب الملاحة في هرمز، وتهديدات باب المندب والبحر الأحمر، ترفع كلفة التجارة والطاقة، وتكشف هشاشة الاعتماد على مسارات محددة.
وفي هذا السياق، يبرز الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي يستهدف ربط الهند بالخليج ثم بأوروبا مرورًا بإسرائيل، في إطار التنافس على طرق التجارة إلى جانب مشروع الصين للحزام والطريق. وقد يمنح اضطراب المسارات التقليدية المشروع أهمية إضافية، لكن استفادة مسار من تراجع أمن وسلامة مسار آخر، لا يعني أنّ الاضطراب صُنع لخدمته، وإن كانت لا تنفي إمكان توظيف تداعياته.
وعلى الرغم من أهمية إيجاد طرق بديلة، ظلت السيطرة على طرق الملاحة عنصرًا حاسمًا في أمن الدول الكبرى وبناء نفوذها. وقد جسّد عروج بربروس هذا المنطق في مطلع القرن السادس عشر، حين أسهم نشاطه البحري في ترسيخ قاعدة قوة في شمال أفريقيا ارتبطت لاحقًا بالدولة العثمانية.
ثم نظّر ألفريد ماهان لهذا المنطق في القرن التاسع عشر، رابطًا بين القوة البحرية والصعود الدولي. ومن هذا المنظور، تستعيد الاستراتيجية الأميركية في ظل ما يوصف بتمردها على القانون الدولي، وتحت شعار "أميركا أولًا"، منطقًا قديمًا؛ إذ تتيح السيطرة على الممرات البحرية، إلى جانب تأمين التجارة والطاقة، فرض شروط العبور، فيما تظل قدرة واشنطن على ضمان تفوقها الاستراتيجي محدودة من دون نفوذ مؤثر فيها.
وتكتسب المرجعيات العقائدية أهمية في فهم بعض دوافع الصراع وحدود التسوية؛ ففي إيران تحتل المهدوية موقعًا مهمًا في بعض تيارات النظام ومرجعياته الدينية، حيث ترى في اشتعال الحروب مقدمة لعودة المهدي المنتظر، فيما تعبّر تيارات صهيونية دينية في إسرائيل عن تصورات خلاصية ذات طابع مسيحاني (مشيحاني في المصطلح اليهودي)، توظّف الوعود التوراتية في تسويغ توجهات سياسية وتوسعية، وتؤمن أيضًا بأنّ اشتعال الحروب يمهد لعودة المسيح؛ وقد عبَّر عن هذا المنحى صراحة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في مايو 2025 بقوله: "نحن جميعًا مشيحانيون".
ورغم اختلاف المرجعيات ومواقع حامليها من السلطة، فإنّ حضور هذه التصورات قد يرفع كلفة التراجع ويُضيّق هامش التسوية لدى بعض الفاعلين؛ وليس معنى هذا أنّ القرارات العسكرية تصدر عن تصور ديني موحد، أو أنّ العامل العقائدي يفسر وحده سياسات الدول.
وفي هذا المشهد، تتحرك موسكو بين منع اتساع الحرب، والحفاظ على علاقاتها بطهران ودول الخليج، والاستفادة من فرص الطاقة وتعزيز موقعها التفاوضي. لكن لا يوجد ما يؤكد علنًا أنّ لافروف حمل عرضًا محددًا إلى طهران أو أنّ إيران رفضته؛ وهذا لا يقلل من أهمية الزيارة حيث تكمن أهميتها في اختبار قدرة موسكو على تحويل علاقاتها المتعددة إلى نفوذ تفاوضي، لا في افتراض أنها تحمل صفقة جاهزة.
ويمكن اختبار الفرضية عبر سبعة مؤشرات حتى مطلع الصيف المقبل:
أولها، ظهور تحرك روسي ملموس يفتح مسارًا تفاوضيًا بين إيران والولايات المتحدة؛ وثانيها، اتساع المرونة الأميركية تجاه موسكو إلى ملفات أخرى، أو بقاؤها استثناءً محدودًا؛ وثالثها، ترجمة السياسة الأميركية تجاه أوكرانيا إلى خطوات تهيئ للتسوية ووقف الحرب.
ورابعها، جدية واشنطن في الضغط لوقف الهجمات الحوثية على السعودية، بالنظر إلى أهمية أمن المملكة والخليج للمصالح الأميركية؛ وخامسها، ما إذا كان الاستعداد العملياتي الجاري لجولة جديدة من "الغضب الملحمي" سيفضي إلى مواجهة أشد ضراوة من سابقتها، من حيث نوعية الأسلحة المستخدمة ومستوى التصعيد، بما يكشف حدود التفاهمات المحتملة أو يختبر طبيعتها؛ وسادسها، طبيعة الدعم الدفاعي المصري المحتمل للسعودية، وما إذا كان تنفيذه سيعيد تشكيل حسابات الأطراف وتوازنات الردع الإقليمي.
أمّا سابعها، فيتعلق بمدى دخول الصين في تفاهمات أوسع بشأن أوكرانيا وتايوان وإيران، أو استمرارها في الفصل بين هذه الملفات. ولا تثبت هذه المؤشرات وجود مقايضة مسبقة، لكنها تتيح اختبار الفرضية في ضوء تطورات ملموسة.
باتت السيولة الاستراتيجية سمة بارزة للسياسة الدولية، حيث تتغير المواقف مع تغير كلفة الخيارات ومردودها. وقد لا تتفق القوى الكبرى على صناعة نتائج الأزمات، لكنها قد تجد في بعضها ما يخدم حساباتها ضمن صراع أوسع على شكل النظام الدولي والإقليمي. وهنا تكمن دلالة التخادم في زمن السيولة الاستراتيجية؛ ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تقود هذه التفاعلات إلى صفقة شاملة ترسم ملامح النظام العالمي الجديد، أم يتعزز التخادم الوظيفي بوصفه نمطًا لإدارة المصالح المتقاطعة من دون اتفاق جامع؟
