رئيس التحرير
عصام كامل

بعد ألف يوم ويزيد..

أكتوبر بين مساءلة القرار ومسؤولية المستقبل (2-2)

18 حجم الخط

إذا كان الشق الأول قد انتهى إلى أنّ المساءلة وحدها لا تكفي، وأنّ استعادة القرار الوطني تقتضي مرجعية جامعة، فإنّ الشق الثاني يتناول كيفية تحويل هذه المرجعية إلى قاعدة للفعل السياسي، تستعيد المبادرة، وتفتح أفقًا قادرًا على صناعة المستقبل، وحماية الحقوق الفلسطينية والسيادة وتقرير المصير، ووضعها في صلب النقاش بشأن مستقبل المنطقة.


الشق الثاني: 

المسار السياسي ومسؤولية البديل

الرهان السياسي يرتكز على كيفية الانتقال من مساءلة ما حدث إلى بناء ما ينبغي أن يحدث. فالمساءلة ليست استدعاءً دائمًا للماضي، بل شرطًا للانتقال منه إلى مسار قادر على صناعة المستقبل. واستعادة المبادرة السياسية لا تعني القفز فوق المسؤولية، بل تحويلها إلى مدخل لإعادة بناء القرار الوطني وتطوير خيارات قادرة على مواجهة الواقع بدل الاكتفاء بإدارته. 

والمطلوب أفق سياسي توافقي واقتحامي في آنٍ واحد؛ توافقي في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، واقتحامي في الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المبادرة؛ فالسؤال المفصلي ليس فقط من اتخذ قرار الحرب، بل من يملك قرار المستقبل.

 

فترتيب البيت الفلسطيني لا ينبغي أن يصبح غاية تنتهي عندها الحركة السياسية، بل نقطة انطلاق لقاعدة سياسية جديدة قادرة على المبادرة. وهذه القاعدة تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، ومع الإقليم، ومع النظام الدولي، على أساس واضح من الحقوق والسيادة والمصلحة الوطنية.

 

وفي هذا الإطار يمكن استدعاء صيغ سياسية معروفة في النظام الدولي، من بينها الكنفدرالية، عبر مسارين مختلفين في أطرافهما وشروطهما ومآلاتهما؛ أولهما كنفدرالية ثلاثية تجمع دولة فلسطين والأردن ومصر، وتقوم على استقلال أطرافها وسيادتها، وتنظم علاقاتها المشتركة في إطار مؤسسي يتيح التعاون والتكامل من دون إلغاء الخصوصية السياسية لكل دولة. 

وينطلق هذا التصور من قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، واستكمال مسار حصولها على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وفق الإجراءات المنصوص عليها في ميثاقها.

 

لكن هذا المسار ينطوي على مخاطر ينبغي عدم تجاهلها، في مقدمتها الانزياح الديموغرافي الذي قد ينشأ عن التمدد الطبيعي للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتشابكة، بما قد يقود إلى انصهار مجتمعي متدرج، ومن ثم إلى إضعاف الوجود السياسي الفلسطيني تدريجيًا، بما قد يأخذ صورة من صور التهجير الناعم.

 

ولا تكفي الضمانات الدستورية والسياسية وحدها لتبديد هذه المخاطر؛ لأنّ هذه الضمانات، مهما بلغت قوتها، قد تتآكل أو يجري الالتفاف عليها مع مرور الزمن. وقد ينتهي الأمر إلى تشابك يصعب معه الحفاظ على الحدود الفاصلة بين المصالح المشتركة والاندماج السياسي والاجتماعي، بما يهدد استقلال القرار الوطني واستقرار الدول المعنية وصون سيادتها.
وهذه المخاوف لا تعني بالضرورة رفض الفكرة، لكنها تفسر جانبًا من القلق الفلسطيني حيالها، وتطرح سؤالًا أساسيًا، كيف يمكن أن نحافظ على استقلال القرار والوجود السياسي الفلسطيني مع مرور الوقت؟

 

أمّا المسار الثاني، مع إسرائيل، فيختلف في طبيعته وشروطه؛ إذ يمكن للقاعدة السياسية الجديدة أن تطرح صيغة كنفدرالية تقوم على دولتين مستقلتين تتمتعان بالسيادة، وترتبطان بإطار مؤسسي مشترك ينظم مجالات التعاون والحركة والاقتصاد والأمن والمياه. وهذا المسار، بخلاف الكنفدرالية الثلاثية مع الأردن ومصر، يرتبط مباشرة بطبيعة الصراع مع إسرائيل، وبشروط إنهائه، وبضمانات صون الحقوق والسيادة الفلسطينية.

 

ويمكن للبرنامج السياسي الاقتحامي، إذا اقتضت الضرورة، أن يصل إلى فكرة الفدرالية أيضًا، لا بوصفها بديلًا مفروضًا سلفًا، ولا تنازلًا عن الحقوق، وإنما باعتبارها إحدى أدوات الاشتباك السياسي التي يمكن طرحها إذا كان من شأنها إنهاء الصراع وحماية الحقوق الوطنية.

 

والفدرالية، بهذا المعنى، تعني قيام دولة اتحادية واحدة تتوزع فيها السلطات دستوريًا بين حكومة اتحادية وحكومات الأقاليم، بما يثير سؤالًا جوهريًا عن كيفية صون الحقوق الوطنية الفلسطينية وضمان الشراكة المتكافئة في السلطة والسيادة.

 

غير أنّ هذا المسار ينطوي على مخاطر؛ إذ قد يتقاطع، في بعض جوانبه، مع رؤى أميركية وإسرائيلية تسعى إلى أنسنة وأدورة الشأن الفلسطيني، أي تحويل قضية التحرر والحقوق والسيادة إلى ملف إنساني وإداري يُدار وتُخفَّف آثاره، بدل معالجة جذوره السياسية وإنهاء مسبباته.

 

وهنا لا يتعلق الأمر برفض كل صيغة للتعاون أو الترابط المؤسسي، بل بالتمييز بين إطار سياسي ينشأ بإرادة فلسطينية ويحفظ الحقوق والسيادة، وبين صيغة تُستخدم لإدارة الصراع وآثاره، أو لتجاوز القضية الفلسطينية عبر ترتيبات إقليمية لا تضمن إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال.

 

وعلى المستوى العربي، لا تتعلق المسألة بمجرد الخلاف حول شكل العلاقة، بل بالسؤال الأسبق: هل تحافظ الكنفدرالية الثلاثية على قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، أم تتحول إلى إطار يتقدم على قيامها أو يحد من استقلال قرارها؟ 

لذلك يظل نجاحها مرهونًا بأن تكون علاقة بين دول مستقلة، لا صيغة تذيب الدولة الفلسطينية في محيطها العربي أو تجعل التشابك الإقليمي بديلًا عن قيامها. فالتكامل لا يكتسب مشروعيته من اتساع مجالاته، بل من قدرته على صون استقلال أطرافه وحماية الحقوق الوطنية ومنع تحول التعاون إلى مدخل لتآكل السيادة.

 

وهنا يبرز سؤال يتجاوز شكل العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية إلى موقعها في الإقليم، إلى أي حد يمكن أن ينسجم طرح الكنفدرالية أو الفدرالية مع التصور المتداول لـهندسة شرق أوسط جديد، في ظل اتفاقيات أبراهام وما أوجدته من مسارات للتطبيع والتعاون الاقتصادي والأمني بين إسرائيل وعدد من الدول العربية؟

 

فقد عززت هذه الاتفاقيات بالفعل مسارات من التكامل الإقليمي، بينما يُنظر إليها من زاوية سياسية أخرى على أنها تسعى، بدرجات مختلفة، إلى فصل مسار التطبيع الإقليمي عن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

ومن هنا لا ينبغي أن تدخل الكنفدرالية أو الفدرالية في هذا السياق بوصفهما مجرد حلقة فلسطينية في مشروع إقليمي جاهز، بل بوصفهما خيارين يمكن توظيفهما ضمن مشروع فلسطيني مستقل، يعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل من موقع سياسي جديد، ويجعل الاندماج الإقليمي نتيجة لحل القضية الفلسطينية لا وسيلة لتجاوزها.

 

فالفارق كبير بين أن يدخل الفلسطينيون في شرق أوسط جديد وهم أصحاب دولة وحقوق وسيادة، وبين أن يجري بناء شرق أوسط جديد على قاعدة تجاوز القضية الفلسطينية أو إدارة آثارها.

 

ومن ثم، فإنّ الاعتراف الدولي بدولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو 1967، واستكمال الإجراءات اللازمة لنيل العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وفقًا لميثاقها، ينبغي أن يشكّلا أساسًا جيوسياسيًا لأي ترتيبات لاحقة كواقع سياسي ملموس على الأرض؛ بحيث لا تتحول أي صيغة كنفدرالية أو فدرالية إلى غطاء لتصفية القضية أو لإعادة إنتاج اختلال ميزان القوة في صورة مؤسسية جديدة.

 

وفي هذا السياق، يمكن أن يكون الاستفتاء الشعبي آلية لإقرار أي اتفاق نهائي، لكن مكانه الطبيعي يأتي عند نضوج الاتفاق وتوافر شروطه، لا بوصفه شرطًا مسبقًا في مرحلة الاشتباك الحالية.

 

الانتظار الطويل ليس وقوفًا في المكان، بل إنّ كسر جموده يقتضي حركة سياسية فاعلة لا تترك المجال للفوضى. ويمكن استدعاء مفهوم الإنتروبيا، في معناه الفيزيائي، استعارة لفهم الجمود السياسي؛ فالأنظمة تحتاج إلى شروط تحفظ استقرارها، وفي السياسة لا يكون الانتظار حيادًا دائمًا، بل قد يتحول، حين تطول حالة الجمود وتغيب المبادرة، إلى فرصة يستثمرها الطرف الأكثر قدرة على الحركة وفرض الوقائع.

 

وفي السياق الفلسطيني، فإنّ استمرار حالة اللا سلم واللا حرب لا يعني تجميد الواقع، بل قد يتيح، مع مرور الوقت، تحولات ديموغرافية وسياسية تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية، في اتجاه الأردن ومصر ودول أخرى؛ بفعل استمرار النزوح والضغط المعيشي من جهة، وبفعل تغير أنماط المصالح والعلاقات الإقليمية من جهة أخرى.

 

ولا يعني ذلك أنّ هذه المسارات ستقود بالضرورة إلى نتائج واحدة، لكن استمرار الجمود قد يهيئ ظروفًا تسمح بفرض وقائع جديدة، قد تتيح لإسرائيل توظيف هذه التحولات في خدمة أهدافها الجيوسياسية والجيواقتصادية، بما يجعل ما يبدو اليوم احتمالًا سياسيًا قابلًا للإدارة واقعًا أشد صعوبة في التراجع عنه.

ولذلك فإنّ ترتيب البيت الداخلي جزء من الحل، لكنه ليس الحل كله، ولا يرقى إلى مستوى اللحظة التي نحن فيها، فقد تركتنا الحرب جميعًا على أرض متآكلة سياسيًا؛ والمطلوب طاقة سياسية قادرة على مواجهة التوجهات الإسرائيلية التي تتجه إلى تثبيت الوقائع على الأرض، واستعادة المبادرة، وإعادة  الصراع في المنطقة إلى جوهره، على الأرض والسيادة والحقوق.

الجريدة الرسمية