رئيس التحرير
عصام كامل

من بنغازي إلى البحر الأحمر.. التوازن الإقليمي في بيئة دولية سائلة

18 حجم الخط

في بيئة إقليمية ودولية تتسم بسيولة استراتيجية متزايدة، لم يعد من الممكن مقاربة التوازن الإقليمي وتحولاته استنادًا إلى التحالفات المعلنة وحدها، كما لا يكفي رصد التناقضات الظاهرة للحكم باستحالة تقاطع المصالح بين الفاعلين. فقد تتباعد مواقف الدول في بعض الملفات وتتوافق في أخرى، من دون أن يستلزم ذلك وجود اتفاق شامل أو تحولها إلى تحالف متماسك. 

وبين هذين الاحتمالين، تبرز الحاجة إلى إطار تحليلي قادر على استيعاب ما يمكن تسميته التوافق التعارضي؛ أي ذلك التقاطع الوظيفي في المصالح الذي تحكمه حسابات ظرفية محددة، مع استمرار التناقضات والاختلافات في ملفات أخرى.

وقد تناولنا في مقال سابق، خيوط متشابكة: تفاهم شامل أم تخادم وظيفي؟، كيف يمكن أن تتقاطع مصالح أطراف متنافسة من دون أن تقود بالضرورة إلى صفقة كبرى أو تفاهم شامل. ويعود هذا السؤال بإلحاح أشد في ضوء ما يجري في ليبيا وشرق المتوسط مع تطورات أكتوبر 2026، بالتوازي مع التحركات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والخليج، وما تطرحه هذه التطورات من أسئلة بشأن موقع مصر في شبكة العلاقات الإقليمية المتداخلة.

 

في سياق تلك التطورات، صوّت مجلس النواب الليبي في بنغازي بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني عام 2019، وألغى قراريه الصادرين عام 2020، أحدهما برفض التصديق على مذكرتي التفاهم مع أنقرة، والآخر بقطع العلاقات السياسية معها، وَفقًا لما أوردته وكالة الأنباء الليبية عن التصويت.

 

ويمثل هذا التحول تطورًا لافتًا في موقف استمر لسنوات، نظرًا  إلى ما أثارته المذكرة من اعتراضات يونانية وقبرصية ومصرية وأوروبية، وما يرتبط بها من حسابات ترسيم الحدود البحرية ومناطق النفوذ في شرق المتوسط. وقد عبّرت اليونان، باسم مجموعة من الدول، عن رفضها للخطوة، مُحذّرة من انعكاساتها القانونية والإقليمية.

 

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ضوء التغيير الذي شهدته رئاسة مجلس النواب الليبي مطلع الشهر نفسه؛ إذ انتخب المجلس الصالحين عبد النبي رئيسًا جديدًا، خلفًا لعقيلة صالح الذي شغل المنصب قرابة اثنتي عشرة سنة. ولا يعني تزامن التغييرين أنّ انتخاب الرئيس الجديد كان سببًا مباشرًا في اعتماد المذكرة، لكنه يضيف سياقًا سياسيًا يستحق المتابعة، خصوصًا أنّ التحوّل في الموقف من تركيا يأتي في مرحلة تتغير فيها حسابات الأطراف الليبية والإقليمية.

 

وقد أشارت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في الوقت نفسه إلى انتخاب هيئة رئاسة جديدة للمجلس، في إطار مساعيها لدفع العملية السياسية وتوحيد المؤسسات. ويفتح هذا التحوّل الباب أمام سؤال أوسع عن طبيعة التحول التركي في ليبيا وحدوده، وعلاقته بإعادة ترتيب موازين النفوذ في المنطقة.

 

وفي ضوء السياق السياسي التراكمي الذي تكشفه أنماط الحركة التركية في ملفات متباينة على الساحتين الإقليمية والدولية على مدى العقدين الماضيين، قد تكون التحركات التركية في ليبيا جزءًا من إعادة هندسة النفوذ في المنطقة الشرق أوسطية، في إطار تفاهمات أميركية تركية محتملة، توفر لأنقرة هامشًا واسعًا للتحرك ضمن مظلة أطلسية، بما يعزز دورها في مسار توحيد ليبيا، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في سياساتها الداخلية والخارجية، وربما يهيئ المجال لمشاركة الحركة الإسلاموية الليبية في الحكم، أو لتوليها الدور الرئيس فيه.

 

ولا تتعارض هذه الفرضية مع السيولة الاستراتيجية أو مفهوم التوافق التعارضي؛ بل قد تكون أحد تجلياتهما، حيث تتقاطع المصالح من دون تطابق كامل في الأهداف. وبالنظر إلى المسار التركي في سوريا، ودعم أنقرة للسلطات الانتقالية ذات الخلفية الإسلاموية، فضلًا عن دورها في التنسيق مع إدارة ترامب بشأن وقف حرب غزة وترتيبات المرحلة التالية.. 

بما أبقى مسألة دور حماس السياسي موضع تفاوض، يمكن قراءة هذه التحركات ضمن احتمال أوسع لإعادة إحياء مشروع تمكين الحركات الإسلاموية من الحكم في المنطقة العربية، وهو المشروع الذي برز مع تحولات عام 2011، من دون أن ينجح في ترسيخ نموذج مستقر للحكم في البلدان التي شهدت صعوده.

 

ولا يمكن فصل الموقف المصري عن هذه التطورات، فالقاهرة تنظر إلى شرق المتوسط باعتباره مجالًا يرتبط بأمنها ومصالحها البحرية، كما تتابع عن كثب التحولات في ليبيا، بحكم الجوار والاعتبارات الأمنية والسياسية. لكن اعتماد مجلس النواب الليبي المذكرة لا يعني وحده حدوث انقلاب في موازين القوى، ولا يثبت وجود تفاهم مصري تركي أو صفقة إقليمية أوسع.


كما أنّ المواقف اليونانية والقبرصية والمصرية والأوروبية تعكس استمرار الخلاف بشأن المذكرة وتداعياتها؛ إذ تستند اتفاقيتا ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، اللتان وُقّعتا عام 2003 ودخلت حيز التنفيذ عام 2014، ومصر واليونان عام 2020، إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، في حين لم تستند المذكرة الليبية التركية إليها، لعدم انضمام تركيا إليها.

 

وتظل المذكرة اتفاقًا ثنائيًا ملزمًا لطرفيه، لكنها لا تسري على الدول الثلاث ولا تنتقص من حقوقها البحرية المقررة بموجب القانون الدولي. ومن هنا، تبدو تركيا وكأنها تسعى إلى تكريس وقائع جيوسياسية بحرية استنادًا إلى تفسيرها لمبدأ الإنصاف في ترسيم الحدود، سعيًا إلى استثمارها كورقة ضاغطة على الدول الثلاث، ولا سيما مصر، بما قد يدفع الخلاف القانوني والبحري إلى مزيد من التصعيد السياسي.

 

وتزداد الصورة تشابكًا مع استمرار قنوات التواصل بين القاهرة وأنقرة، بالتوازي مع علاقات مصر بأطراف ليبية متنافسة؛ فزيارة صدام حفتر إلى القاهرة، بعد خمسة أيام من موافقة البرلمان على المذكرة مع تركيا، وَفقًا لما أوردته بوابة الوسط الليبية، قد تندرج، شأنها شأن اتصالات سياسية وأمنية أخرى، ضمن شبكة من العلاقات لا يمكن اختزالها في ثنائية الخصومة والتحالف؛ وقد تعكس هذه الاتصالات حرصًا على إبقاء قنوات التأثير مفتوحة، ومتابعة التحولات الليبية عن قرب، من دون أن تقدم دليلًا كافيًا على اتفاق بشأن الملفات الخلافية، أو على وجود تفاهم أوسع بشأن إدارة العلاقات الثنائية.



ومن هذا المنظور، لا تبدو ليبيا وشرق المتوسط ملفين منفصلين عن حسابات مصر في البحر الأحمر والخليج. فالأمن البحري، وحرية الملاحة، واستقرار الممرات الاستراتيجية، كلها عناصر متداخلة في تقدير القاهرة لمصالحها. غير أنّ الترابط بين هذه الملفات لا يعني بالضرورة وجود خطة واحدة أو صفقة شاملة؛ فقد تفرض الجغرافيا وتداخل المصالح تنسيقًا في مجال، بينما تستمر الخلافات في مجال آخر.

 

وفي هذا السياق، جاءت موافقة مجلس النواب المصري، في أكتوبر 2026، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لمساندة المملكة العربية السعودية، في إطار التنسيق بين البلدين والدفاع عن أراضي المملكة وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداء خارجي. 

وقد أوضح السيسي أنّ أي تحرك مصري سيكون دفاعيًا، ولن يشمل شن هجمات على اليمن. ويظل من الضروري التمييز بين التفويض البرلماني الذي يحدد الإطار القانوني للتحرك، والتصريحات السياسية التي توضح طبيعته وحدوده المعلنة؛ فالقرار لا يعني في حد ذاته إعلان إرسال قوات أو تحديد طبيعة المشاركة وحجمها.

 

وتتضح دلالة هذا التحرك أكثر عند قراءته إلى جانب اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026. فعدم انضمام مصر إلى الاتفاق لا يعني ابتعادها عن هذه الدول؛ إذ تشاركها آلية R4 الوزارية، التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، في إطار تعزيز التنسيق الإقليمي. 

وفي أكتوبر من العام نفسه، وبعد إعلان تحالف مكة، توسّع التنسيق باجتماع وزاري في إسطنبول بصيغة R4+E3، بمشاركة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب إيطاليا، في مؤشر على اتساع إطار المشاركة الأوروبية. وتناول الاجتماع أزمات المنطقة وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وَفقًا لما ورد في البيان المشترك.

 

ويكشف هذا المسار عن أنّ التقاطع في المصالح لا يستلزم تطابق الالتزامات؛ إذ تستطيع القاهرة تنسيق مواقفها مع الدول الثلاث من دون الانضمام إلى اتفاقها الدفاعي، مع الاحتفاظ بهامش من المرونة الاستراتيجية؛ مما يشير إلى حرص القاهرة على الاحتفاظ بمرونة تحركها وعلاقاتها مع أطراف إقليمية متباينة بوصفه عاملًا محتملًا في حساباتها، لا سببًا رسميًا محسومًا لعدم الانضمام.

وفي المقابل تعمل تركيا بموازاة تحركاتها في ليبيا وشرق المتوسط، على توسيع علاقاتها مع أطراف عربية وإقليمية، من بينها السعودية، في مسار يعكس سعي أنقرة إلى تنويع شراكاتها وتوسيع هامش حركتها الاستراتيجية.

 

ولا يقتصر الأمر على تعدد الأطر الدبلوماسية، بل يتصل بطبيعة الدور الذي تسعى مصر إلى الحفاظ عليه في بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب. فالقاهرة معنية بأمن السعودية، وباستقرار البحر الأحمر، وبعلاقاتها مع تركيا، وبالتوازنات في شرق المتوسط، كما أنّ لها حساباتها الخاصة بشأن ليبيا واليمن. وليس من الضروري أن تقود هذه المصالح المتقاطعة إلى اصطفاف واحد؛ بل قد يكون الاحتفاظ بقنوات متعددة جزءًا من إدارة التناقضات نفسها.

 

أمام هذه التطورات، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة. أولها أن تظل التحركات في ليبيا والبحر الأحمر والخليج ملفات متوازية، يجمع بينها تداخل المصالح من دون تنسيق استراتيجي أوسع. وثانيها أن يتطور التنسيق القائم إلى تفاهمات جزئية بشأن الأمن البحري وخفض التصعيد، مع بقاء الخلافات السياسية والدفاعية. أمّا الثالث، فهو أن تكشف التطورات اللاحقة عن تقاطعات أوسع في الحسابات الإقليمية، من دون أن ترقى بالضرورة إلى صفقة شاملة أو تحالف موحد.

 

ولا يمكن حسم أي من هذه المسارات استنادًا إلى تزامن الأحداث وحده. فالتوافق التعارضي يظل فرضية تحليلية ينبغي اختبارها في ضوء القرارات اللاحقة، وطبيعة التنسيق بين الأطراف، ومدى انتقاله من التصريحات والاجتماعات إلى ترتيبات عملية. كما أنّ اختلاف المصالح لا ينفي إمكان التعاون، مثلما أنّ التعاون في ملف محدد لا يثبت زوال الخلافات أو قيام تحالف مستتر.

بين بنغازي والبحر الأحمر، تبدو مصر أمام اختبار دقيق: كيف تحافظ على مصالحها في ملفات مترابطة، وتستفيد من مساحات التقاطع، دون المساس باستقلال قرارها، أو الإخلال بالتوازن الاستراتيجي بوصفه أحد أهم ثوابت سياستها الخارجية، أو تُحمّل كل تنسيق دلالة أكبر مما يحتمل؟ 

قد لا تكون الإجابة في صفقة كبرى أو محور إقليمي جديد، بل في إدارة محسوبة لتقاطعات المصالح والتناقضات. وفي زمن السيولة الاستراتيجية، لا يُقاس التوافق بغياب الخلاف، بل بقدرة الأطراف على التعاون للوصول إلى التوافق التعارضي، حيث تلتقي مصالحها. 

والاختبار الحقيقي ليس في تزامن التحركات، بل في ما إذا كانت ستتراكم، مع مرور الوقت، لتشكّل نمطًا متكررًا من التنسيق والمنافع المتبادلة، أم ستبقى مجرد تحركات متوازية فرضتها حسابات مستقلة.

الجريدة الرسمية