رئيس التحرير
عصام كامل

الراهب - المصيلحة.. تعمير أم تبوير؟

18 حجم الخط

إذا صح ما يتردد عن اعتزام الحكومة إنشاء محطة لمعالجة الصرف الصحي بقرية المصيلحة بالمنوفية على مساحة 30 فدانًا من أجود الأراضي الزراعية، فإنها تكرر خطأ تبوير 16 فدانًا بقريتنا الراهب المتاخمة لها قبل 4 سنوات من أجل إنشاء عمارات لم يسكنها أحد.

 

في المصيلحة فإن هدف الحكومة وغايتها من إنشاء المحطة نبيلة وصحيحة بل هى مشروع استراتيجي تنموي يحقق منافع على المدي البعيد، لكن الوسيلة أو اختيار المكان خطًا فادح، وفي الراهب قامت بالتبوير من أجل التعمير، فصار التعمير سراباَ وبقي التبوير.

 

وإليكم الحكايتين:

في عام 2018 أقدمت الحكومة على تبوير 16 فدانًا من أجود الأراضي الزراعية في قريتى الراهب مركز شبين الكوم -وهى المساحة التي كانت مخصصة لتدريب طلاب كلية الزراعة جامعة المنوفية- لإقامة مشروع سكني من 1700 شقة 80 مترًا كاملة التشطيب والمرافق، موزعة على 19 عمارة و11 دورًا ويضم مسجدًا وملاعب وحضانة ومخبزًا ومولين تجاريين.

 

كانت الحكومة آنذاك تفرض اشتراطات بنائية بحيث لا يتجاوز ارتفاع أي بناء 4 أدوار مهما بلغ عرض الشارع قبل أن تعود مؤخرا وترفع القيود عن هذه الاشتراطات، أي أن بناء الـ 11 دورًا حلال لها حرام على الناس.

 

تنفيذ المشروع السكني بالراهب شابه خطأين: ارتفاع سعر الشقة ليتجاوز مليون و200 ألف جنيه وهو ضعف سعر الشقة 120 مترًا في القرية، والضيق الشديد لمساحة الغرف بحيث لا تستوعب عفشًا أو أثاثًا، فمن الذي سيدفع مبلغا كبيرًا في شقة بهذا الصغر في قرية؟

 

وقتها انتقدت القرار، وقلت: إن رئيس الوزراء يقرر تبوير أجود الأراضى الزراعية ببلدتى لإقامة شقق للدولة عليها، وللأسف هو نفسه رئيس الوزراء الذى يرفض إضافة متر واحد للأحوزة العمرانية منذ 13 عاما -وفقا لما صرح به فى مؤتمر صحفى عقده يوم 9 سبتمبر 2020- ويضيق على الناس فى ملكياتهم الخاصة منذ 2008 بحجة الحفاظ على الرقعة الزراعية.


اليوم وبعد مرور 4 سنوات على فتح باب الحجز، لم يتجاوز عدد الذين أقاموا في هذه الشقق حتى الآن العشرات، وهكذا تم تبوير مساحة شاسعة من الرقعة الزراعية من أجل بناء أصول عقارية تتجاوز قيمتها 2 مليار جنيه وتنتظر من يسكنها ولا تجد.

 

بعد 4 سنوات من التبوير في الراهب، تعتزم الحكومة تكرار التبوير لمساحة 30 فدانًا من أجود الأراضي الزراعية بالقرب من المدرسة الإعدادية في قرية المصيلحة المجاورة لها لإنشاء محطة لمعالجة الصرف الصحي عليها، لتكرر الخطأ وتطرح تساؤلات حول جدوى بعض مشروعاتها التنموية في القرى، هل هى تعمير أم تبوير؟

 

لا يوجد قرار رسمي بالشروع في إنشاء المحطة، الأمر لا يتجاوز الكلام المرسل والمخاوف المشروعة دون قرار رسمي معتمد حتى الآن، لكن أهالينا في القريتين يتساءلون عن حقيقة إنشاء المحطة بالقرب منهم، يرددون -وهى أقاويل غير مؤكدة- أن اختيار قرية المصيلحة جاء بعد اعتراض إقامة مجمع الصرف الصحي من جانب الأهالي في قرى أخرى.

 

لا أحد بالطبع ضد المشروعات الإستراتيجية ومشروعات البنية الأساسية والإستراتيجية التي تقيمها الدولة، ولكن أهالينا لديهم مخاوف مشروعة ومنطقية من الروائح الكريهة الذي سينبعث من المحطة، وكذلك الرذاذ الناتج عن معالجة المياه، الأمر الذي يهددهم بأمراض الجهاز التنفسي وانتشار أمراض عديدة منها مثل الملاريا وحمى الضنك.

 

سبب آخر يحمل بعدا اجتماعيًا وإنسانيًا يطرحه أهالي المصيلحة باعتبار أن ضررهم مزدوجًا ومعظمهم من البسطاء، وهو أن غالبيتهم يقتاتون ويفتحون بيوتهم من عائد زراعة القراريط القليلة التي سيتم اقتطاعها لإقامة المحطة عليها، وبالتالي سيتعرضون لفقدان مصدر رزقهم الوحيد في حالة الشروع في إقامتها على أراضيهم.

 

كما أن القريتين لديهما بالفعل 2 محطة صرف صحي قائمة منذ 15 سنة وتعملان بكفاءة ولن يتحقق لهم استفادة من إنشائها في أراضيهم، أي سيطالهم الضرر ولن تطالهم أي منفعة، بل ستفيد القري التي لم يدخلها الصرف الصحي أو المجاري مثل الاصطباري وميت مسعود وغيرها، فمن باب أولي إقامتها في القرى المحتاجة، أو في أي مكان لا يسبب أذى للأهالي.

 

فإذا كان قرار إنشاء المحطة قد وصل إلى نقطة اللاعودة، أتمنى أن تستجيب الحكومة بمراجعة موقع المحطة ونقلها بعيدًا عن الكتلة السكنية وتوفير أرض بديلة بنفس المساحة في الظهير الصحراوي بمدينة السادات أو أي مكان غير مأهول بالسكان وتجنيبهم الضرر الصحي.

أكتب هذه الكلمات بصفتي صحفيًا بحكم ما أملكه من قلم حر وأتشرف بالانتماء والانتساب إلى قريتي المتضررة الراهب، التي تعد أول قرية قامت فيها ثورة ضد "على بك الكبير" عندما قام بفرض ضرائب باهظة على الفلاحين فامتنع الأهالي عن السداد وأعلنت العصيان المدنى، فقام "على بك الكبير" بتحريك حملة مسلحة لارغامها على دفع الضرائب وتصدى لها الأهالى واسفرت المعركة عن مقتل 21 شهيدا من أبناء القرية ونفى 18 آخرين إلى شبه الجزيرة العربية، ويرجع سبب تسميتها بهذا الاسم إلى مقام الشيخ "علي الراهبي" الذي كان من أوائل المعالم في المكان، وتعتبر الأكبر على مستوى الجمهورية في زراعة البرتقال.

الجريدة الرسمية