رئيس التحرير
عصام كامل

خطايا الأزواج المنفصلين

18 حجم الخط

يرتكب الزوجان المنفصلان جريمة في حق أبنائهما إذا لم يتم عزلهم تمامًا عن خلافاتهما، وقد يحيلان حياتهما إلى جحيم أبدي إذا جعل أحدهما من أبنائه أداة لمكايدة ومناكفة الآخر وإلحاق الأذى به.. العناد المتبادل وتشويه صورة الأب من جانب الأم والعكس، يخلق حالة من الكراهية في نفوس الأبناء تجاه أحدهما وقد تظل راسخة، المشاعر التي تتكون في النشأة والصغر قد لا تتغير أبدًا حتى لو كانت خاطئة، وقد تتبدل بعد فوات الأوان.

أخطر ما يمكن أن يفعله أي شخصين منفصلين هو أن يتحدث أحدهما بسوء عن الآخر أمام الأبناء أو يصدر خلافاته ومشاكله إليهم، من أدوات الصحة النفسية لأبناء الانفصال أن لايسمعون من أحد أبويهم مايسيء للآخر.
 
جرت العادة أن يتخذ الأبناء الذين يعيشون مع أسرة أو ذوي أبيهم موقفًا سلبيًا من الأم وربما عدائيًا، والعكس صحيح، قد يكون لهذه القاعدة استثناءات، فهناك أشخاص ينفصلون ويبقى الاحترام المتبادل بينهما قائما، ويتعاملان مع بعضهما بمنتهى الاحترام والرقي والسمو والتسامح، لأنهما يدركان أن هذا السلوك ينعكس على تنشئة الأبناء ويجنبهم كل المشاكل النفسية التى يمكن أن تفرزها الخلافات والمشاكل بينهما، بل هو استثمار أفضل من المال في الإبقاء على أبنائهم أسوياء وأصحاء.

أعرف زيجات لأشخاص لهم تجارب زواج سابقة تتحول إلى ما يسمى "جحيم نهاية الأسبوع" عندما يذهب الطفل لأبيه، ويعود محملًا برسائل كيدية تم توصيلها له هدفها استفزاز الآخر، ونفس الأمر عندما ينقل ما يدور في بيت والدته لأبيه، فتضطرم نيران المشاكل. 
 

وهكذا تتحول حياتهما بعد الانفصال إلى جحيم، لاالزوج استطاع أن يعيش مع إنسانة أخرى، ولا الزوجة استطاعت أن تكمل حياتها مع زوج آخر، فقط لأنهما يصران على الزج بمشاكلهما ومشاكل أبنائهما في حياتهما الجديدة.

هناك قاعدة نفسية لا يستوعبها أي زوجين منفصلين، وهي أن أفضل طريقة للتخلص من عدو -حتى بافتراض أنهما يصبحان أعداءً بعد الانفصال- هى أن تمدحه أينما حللت وسوف ينقل الأبناء له ذلك، فلا تبقى لديه قوة لإزعاجك.
محظوظون أولئك الذين ينفصلون دون أبناء، كأنه والعدم سواء، صفحة وانطوت أو نقطة ومن أول السطر، كل يذهب إلى حال حياته الجديدة دون أن يكون للتجربة أي تداعيات نفسية أو اجتماعية أو حتى مادية على أي منهما، أما إذا أسفر هذا الزواج عن أطفال، فقد كُتب على الطرفين الشقاء والمشاكل حتى آخر العمر.

لماذا يعتبر المنفصلان أن كل النهايات مأساوية؟ ولماذا لا يدركان أن بعض لحظات النهاية ليست سوى إعلان عن ميلاد جديد، وأننا نستطيع أن نقول وداعًا دون أن نجرح؟

لا أفهم حتى الآن -كما يتساءل صديقي المبدع الدكتور ياسر ثابت في كتابه الرائع "يوميات ساحر متقاعد"- لماذا لا يحسن كثير بل غالبية الأزواج المنفصلين بهاء السقوط الأخير، ولماذا يصرون على أن تكون النهاية بينهما جرحًا نازفًا أو غائرًا في الذاكرة؟ ولماذا لا يدركان أنهما تحت مظلة التفاهم يمكن للوداع أن يكون بهيًا بدلا من أن يظل غبيًا؟ فالغضب وقود الانتقام والغل عود ثقاب نلقيه مشتعلًا فتمتد نيرانه إلينا.

عبر تاريخ الدراما والسينما المصرية هناك سبعة أفلام ومسلسلات فقط عالجت قضية انفصال الزوجين ومعاناة الأبناء، أشهرها "أريد حلًا" لفاتن حمامة الذي تم عرضه عام 1975، وناقش مأساة بيت الطاعة والصراع القضائي الطويل، وكيف يدفع الأبناء ثمن العناد المتبادل، وأحدث وقتها حراكًا مجتمعيًا استمر 4 سنوات وأفضى إلى قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي صدر عام 1979.. 

وانحاز للمرأة ومنحها حقوقًا أكثر وفرض أعباءً كبيرة علي الرجل، ومن فرط انحيازه للمرأة أطلق عليه البعض "قانون جيهان" نسبة إلى جيهان السادات التي قادت حملة اجتماعية وسياسية قوية لتبني مقترحات تمنح المرأة حقوقًا جديدة وواجه انتقادات حادة حينها من بعض علماء الدين.

أما على صعيد السينما العالمية رصدت الأفلام الأمريكية "قصة زواج" و"كرامر ضد كرامر" و" الطفل هود" المأساة التي يعيشها الأطفال ضحايا الانفصال. 

قانون الأحوال الشخصية الحالي انطلق من قاعدة أن "الأم هى الأم"، وأنها حتى لو انفصلت عن زوجها، تظل درجة حب الأبناء وتعلقهم بها أكبر من الأب، بالفعل هذه قاعده إنسانية وبشرية منذ الأزل، أعرف أبناءً لهم أب عطوف وكريم وسخي، وأم حازمة وصارمة في تعاملها معهم، وعندما تم تخييرهم بين الإثنين اختاروا الأم.

غير أن أسوأ مافي القانون الحالي هو أن الأب لايستطيع رؤية أبنائه إلا 3 ساعات أسبوعيًا في أماكن عامة.. مسلسل "أب ولكن" بطولة الفنان محمد فراج تم عرضه العام الحالي، يصحح هذا الانحياز ويتعاطف مع الأب ويكشف معاناته في مسألة الرؤية.  

لدينا في ثلاجة البرلمان مشروع قانون جديد للأسرة، فهل يحقق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين الزوجين المنفصلين، ويصحح الأوضاع فيما يتعلق بالرؤية وسن الحضانة ونفقة المتعة ومسكن الزوجية؟.

الجريدة الرسمية