رئيس التحرير
عصام كامل

حين تصبح الابتسامة دليلًا على غذاء آمن

18 حجم الخط

هناك ابتسامة لا تُرسم على الوجوه بالمجاملة.. بل تصنعها الطمأنينة. حين نجلس إلى مائدة في مطعم أو فندق، قد تلفت أنظارنا أناقة المكان، وحسن الاستقبال، وطريقة تقديم الطعام، وربما ابتسامة من يضع الطبق أمامنا. لكن خلف هذه الصورة البسيطة عالم كامل من التفاصيل لا نراه، ومع ذلك قد يكون هو الأكثر تأثيرًا في صحتنا.

 

فبين المطبخ والمائدة حكاية طويلة اسمها سلامة الغذاء. حكاية لا تبدأ لحظة تقديم الطبق، وإنما قبل ذلك بكثير؛ عندما يتم اختيار مكوناته، واستلامها، وحفظها، والتعامل معها، وإعدادها، وحتى اللحظة الأخيرة التي يصبح فيها الطعام جاهزًا أمام المستهلك.

 

والغريب أن النجاح الحقيقي لهذه المنظومة غالبًا لا يراه أحد. لا أحد يصفق لأن ثلاجة تحقق درجة الحرارة المناسبة، ولا يلتقط صورة لعامل غسل يديه بالطريقة الصحيحة، ولا يعرف المستهلك أن شخصًا ما رفض مادة خام لأنها لم تستوفِ متطلبات السلامة.

 

ومع ذلك، فإن هذه القرارات الصغيرة التي تحدث بعيدًا عن الأضواء قد تكون أهم من كل ما يراه العميل أمامه. هنا تكمن المفارقة: أجمل ما تقدمه منظومة سلامة الغذاء للإنسان هو شيء لن يراه أبدًا.. الخطر الذي لم يصل إليه. فالنجاح في سلامة الغذاء لا يُقاس فقط بما نكتشفه من أخطاء، وإنما أيضًا بما ننجح في منعه قبل أن يتحول إلى ضرر. ومن هنا تتغير فلسفة الرقابة.

 

فالمفتش ليس باحثًا عن مخالفة بقدر ما هو حارس لنقطة قد يبدأ منها الخطر. والمنشأة ليست خصمًا للرقابة، بل شريكًا في مسؤولية واحدة، لأن الهدف في النهاية ليس ورقة تُستكمل، ولا زيارة تنتهي، وإنما إنسان يتناول غذاءه مطمئنًا. أما العامل الذي يقف في المطبخ، فهو ليس مجرد يد تُعِد الطعام.

 

قرار بسيط منه قد يصنع فارقًا كبيرًا: أن يغسل يديه في الوقت الصحيح، أن يمنع انتقال التلوث من غذاء إلى آخر، أن يرفض اختصار خطوة ضرورية مهما كان ضغط العمل، وأن يدرك أن الطعام الذي بين يديه سيصل بعد دقائق إلى طفل أو أم أو مسن أو إنسان لا يعرفه، لكنه ائتمنه على صحته دون أن يراه. وهنا تحديدًا تبدأ ثقافة سلامة الغذاء.

 

أن تفعل الصواب عندما يراك الجميع أمر جيد، لكن أن تفعله عندما لا يراك أحد.. فهذه هي الثقافة. نحن إذن لا نتحدث فقط عن مطابخ نظيفة أو معدات جيدة أو سجلات مكتملة؛ نحن نتحدث عن ضمير مهني، وعن منظومة يكون فيها كل فرد قادرًا على أن يقول: هذا الطعام سيمر من يدي آمنًا.

 

وعندما تصبح هذه الفكرة جزءًا من السلوك اليومي، تتحول الرقابة من مجرد إجراءات إلى وقاية، وتتحول الاشتراطات من أوراق إلى ممارسة، ويتحول الالتزام من خوف من المخالفة إلى احترام لصحة الإنسان. ولعل قطاع السياحة والضيافة هو أحد أكثر الأماكن التي يظهر فيها هذا المعنى بوضوح.

 

فالزائر لا يحمل معه من المكان مجرد صورة أو وجبة أعجبته؛ إنه يحمل انطباعًا وثقة وذكرى. ومن هنا تصبح سلامة الغذاء جزءًا من جودة التجربة السياحية نفسها؛ لأننا حين نقدم غذاءً آمنًا لا نحمي صحة ضيف فقط، وإنما نحمي أيضًا ثقته في المكان الذي استقبله.

 

وربما لهذا السبب أحب أن أرى العلاقة بين سلامة الغذاء والابتسامة بطريقة مختلفة. فالابتسامة الحقيقية ليست فقط تلك التي يستقبل بها العامل ضيفه عند الباب.. إنها ابتسامة المستهلك عندما يغادر المكان وهو راضٍ. وابتسامة صاحب المنشأة عندما يعرف أن نجاحه لم يكن على حساب صحة أحد. وابتسامة العامل عندما يدرك أن إتقانه لعمله حمى إنسانًا ربما لن يعرف اسمه أبدًا. وابتسامة المفتش حين يغادر منشأة ولا يجد ما يستدعي القلق؛ لأن الوقاية سبقت الرقابة، والثقافة سبقت التعليمات.

 

إننا نستطيع أن نبني مطاعم أكثر فخامة، وأن نبتكر أطباقًا أكثر جمالًا، وأن نتنافس في الخدمة والتقديم.. لكن هناك رفاهية واحدة لا يجوز أن تكون محل منافسة أو تفاوض: أن يأكل الإنسان وهو آمن. ولهذا، ففي كل مرة نرى فيها شخصًا يغادر مطعمًا أو فندقًا مبتسمًا، لنتذكر أن وراء هذه الابتسامة مسؤولية كبيرة لا تظهر في الصورة.

مسؤولية تبدأ قبل أن يصل الطعام إلى المائدة، وتستمر حتى آخر لقمة. لأن أفضل طبق ليس بالضرورة الأكثر جمالًا، ولا الأغلى ثمنًا، ولا الأكثر شهرة.. أفضل طبق هو ذلك الذي يصل إلى الإنسان حاملًا شيئًا واحدًا لا ينبغي أبدًا التنازل عنه: الأمان. وعندها فقط تصبح للابتسامة قيمة أخرى.. فأجمل ابتسامة على مائدة الطعام، هي تلك التي صنعتها الثقة.

الجريدة الرسمية