رئيس التحرير
عصام كامل

فن القسوة

18 حجم الخط

في الفن، لا توجد مشكلة في أن تقول إن عملا ما سيئ، أو إن ممثلا لم يكن مقنعا، أو إن مخرجا أخفق في إدارة مشاهده، أو إن كاتبا قدم حكاية ضعيفة ومكررة.. هذه هي طبيعة النقد، وهذه هي وظيفة الناقد حين يرى عملا أمامه ويضعه تحت مجهر المهنة والخبرة والمعرفة. المشكلة تبدأ حين يخرج الكلام من العمل إلى صاحبه، ومن تقييم التجربة إلى إهانة الإنسان.

 

هناك مسافة كبيرة بين أن تقول إن أداء ممثل كان باهتا، وبين أن تصفه بالفاشل. وبين أن ترى أن أغنية ما ضعيفة، وبين أن تسخر من شكل مطربها أو عمره أو حياته الخاصة. وبين أن تنتقد نصا مرتبكا، وبين أن تهاجم الكاتب في شخصه وتشكك في موهبته أو أخلاقه لمجرد أن عمله لم يعجبك. الأولى نقد فني، والثانية تجريح.

 

والفارق بينهما ليس في اختيار كلمات أكثر لطفا، وإنما فارق في الوعي والمسؤولية، فالناقد الحقيقي يناقش ما قدمه الفنان، أما المجروح في نفسه فيبحث عن الفنان ليطعنه.

 

النقد الفني يبدأ من العمل وينتهي إليه. ينظر إلى السيناريو، والبناء الدرامي والحوار والإيقاع والصورة والموسيقى والأداء والإخراج، ومدى نجاح كل عنصر في تحقيق الغرض الذي صنع العمل من أجله. يستطيع الناقد أن يكون قاسيا، بل ومن حقه أن يكون قاسيا، لكن قسوته يجب أن تكون على الفكرة والتنفيذ والنتيجة، لا على كرامة الإنسان.

 

فحين يقول ناقد: إن الممثل لم يستطع التعبير عن التحول النفسي للشخصية، فهو يقدم ملاحظة يمكن مناقشته والاختلاف معها. وحين يقول إن المخرج بالغ في استخدام الموسيقى لتعويض ضعف المشهد، فهو يقدم قراءة فنية لها أسبابها. وحين يرى أن السيناريو اعتمد على المصادفات بدلا من البناء الدرامي، فهو يضع يده على عيب محدد يمكن أن يرد عليه صاحبه أو يستفيد منه.

 

أما حين يتحول الكلام إلى أنت لا تفهم، أنت لا تصلح، شكلك لا يليق، سنك كبير، أنت انتهيت، أو أي عبارة تستهدف الإنسان بدلا من العمل، فنحن لم نعد أمام نقد، وإنما أمام رغبة في الإيذاء مغلفة بكلمة النقد.

 

والغريب أن بعض الناس يتعاملون مع النقد وكأنه رخصة للعدوان. يعتقدون أن كون الفنان شخصية عامة يعني أن كرامته أصبحت مباحة، وأن ظهوره أمام الجمهور يمنح الجميع الحق في اقتحام حياته الخاصة، والسخرية من مظهره أو أسرته أو ظروفه أو تاريخه الشخصي. وهذا فهم خاطئ للنقد وللشهرة معا.

 

الفنان حين يقدم عملا للجمهور يضع عمله تحت التقييم، لكنه لا يضع إنسانيته في المزاد. من حق الجمهور أن يقول هذا الفيلم لم يعجبني، ومن حق الناقد أن يشرح لماذا، ومن حق الفنان أن يدافع عن تجربته، ومن حق الجميع أن يختلفوا. لكن لا أحد يملك حق تحويل الاختلاف إلى إهانة.

 

النقد المحترم لا يعني المجاملة، وهذه نقطة يجب ألا تضيع وسط الضجيج. الناقد ليس مطلوبا منه أن يصفق لكل شيء حتى يبدو مهذبا. النقد الذي يخاف من غضب الفنان ليس نقدا، والمديح المجاني لا يصنع فنا جيدا.

 

يمكن للناقد أن يقول إن فيلما فشل، وإن المسلسل كان ضعيفا، وإن أداء ممثل بعينه أقل من المتوقع، وإن أغنية ما لا تستحق النجاح الذي حققته. ويمكنه أن يفكك العمل قطعة قطعة، وأن يشرح أخطاءه بصرامة، وأن يضعه في سياقه الفني والتاريخي، من دون أن يتحول إلى خصم شخصي لصاحب العمل.

 

بل إن النقد القاسي أحيانا يكون أكثر احتراما للفنان من المديح الكاذب، لأن الفنان الذي يتلقى ملاحظة حقيقية يستطيع أن يطور نفسه، أما الفنان الذي تحاصره المجاملات فلا يرى أخطاءه إلا بعد أن تصبح جزءا من تجربته. هناك أيضا فارق آخر شديد الأهمية.. النقد يقدم سببا، أما التجريح فيكتفي بالحكم.

 

حين تقول: إن الفيلم طويل لأن بعض مشاهده لا تضيف إلى الحبكة، فأنت تقول شيئا يمكن مناقشته. وحين تقول إن شخصية معينة غير مكتملة لأن دوافعها لم تبن دراميا، فأنت تضع أمام الكاتب بابا للحوار. أما أن تقول الفيلم قمامة، والممثل لا يفهم شيئا، والمخرجة فاشلة، فهذه أحكام انفعالية لا تحتاج إلى معرفة بالفن بقدر ما تحتاج إلى غضب.

 

الناقد يسأل لماذا لم ينجح العمل؟ أما المجروح فيسأل كيف يمكنني أن أؤلم صاحبه؟ وهنا تظهر نية الكلام.  ليس المطلوب من الناقد أن يقرأ النيات، لكنه يستطيع أن يعرف من بنية حديثه إن كان يناقش عملا أم يصفي حسابا. فحين تتكرر الإشارة إلى الحياة الشخصية للفنان في مقال يفترض أنه يناقش فيلما، يصبح واضحا أن القضية لم تعد فنية. وحين يتم تجاهل كل عناصر العمل للتركيز على الشكل والملابس والعمر والعلاقات الخاصة، فإن كلمة نقد تصبح مجرد ستار لشيء آخر.

 

والتجريح لا يضر الفنان وحده، بل يفسد المجال الفني كله. لأنه يحول النقاش العام من مساحة لتبادل الأفكار إلى ساحة للشتائم، ويجعل المبدعين أكثر خوفا من التجربة، ويشجع الجمهور على الحكم السريع، ويمنح الصوت الأعلى قيمة أكبر من الرأي الأكثر معرفة.

 

الفن بطبيعته قابل للاختلاف. بل إن الاختلاف أحد أسباب بقائه، قد يرى شخص في فيلم تحفة، ويراه آخر عملا عاديا، ويجد ثالث أنه فشل كامل. لا توجد مشكلة في ذلك. المشكلة أن يتحول الاختلاف في الذوق إلى معركة حول الأشخاص.

ليس مطلوبا أن نحب الفنان حتى نحترمه، ولا أن نحب عمله حتى نعترف بحقه في النقد. الاحترام لا يعني الاتفاق، كما أن الاختلاف لا يعني العداء.

 

وفي المقابل، على الفنان أيضا أن يفهم أن النقد جزء من ثمن الظهور العام. ليس كل نقد مؤامرة، وليس كل ملاحظة حقدا، وليس كل رأي مخالف دليلا على أن صاحبه يريد إسقاطك. الفنان الذي يريد التصفيق فقط سيجد جمهورا، أما الفنان الذي يريد أن يتطور فعليه أن يحتمل النقد، ويميز بين الملاحظة الصادقة والهجوم الشخصي. المسألة في النهاية ليست أن نمنع القسوة من النقد، بل أن نعيد القسوة إلى مكانها الصحيح.

كن قاسيا على الفيلم إذا كان ضعيفا، على المشهد إذا كان رديئا، على الحوار إذا كان مصطنعا، على الأداء إذا كان مفتعلا، وعلى الفكرة إذا كانت سطحية. فتلك كلها أشياء قدمها صاحبها للجمهور، ومن حق الجمهور أن يناقشها. لكن لا تجعل من جسد الفنان، أو عمره، أو أسرته، أو حياته الخاصة، أو كرامته، مادة لتثبت أنك ناقد. لأن النقد الذي يحتاج إلى إهانة صاحبه كي يثبت قوته، نقد ضعيف في الأساس.

والناقد الحقيقي لا يحتاج إلى أن يهين الفنان كي ينتصر لرأيه. يكفيه أن يمتلك حجة. أما التجريح، فهو أسهل الطرق حين تعجز عن صناعة الحجة. ولهذا يبقى الفارق بسيطا في شكله، عميقا في معناه.. النقد يهاجم الفكرة، أما التجريح فيبحث عن صاحبها. الأول قد يصنع فنا أفضل، والثاني لا يصنع سوى خصومة جديدة.

الجريدة الرسمية