مستشفى الدمرداش.. ذاكرة طبية وروحية ممتدة لـ قرون (صور)
يقف مستشفى الدمرداش في قلب القاهرة، وسط صخب العباسية وضجيج السيارات وازدحام الحياة اليومية، كرمز فريد يحمل أكثر من مجرد رسالة علاجية. لا يكتفي بأن يكون مكانًا للشفاء فقط، بل يحمل ذاكرة روحية ممتدة لأكثر من خمسة قرون.
لا تسمع خلف جدرانه خطوات الأطباء والممرضات فقط، بل تتردد همسات الذكر وأصداء الحضرات، في نبض تاريخي يجمع بين العلم والروح، بين المستشفى والزاوية، في لوحة متجددة من التراث والحداثة.

من وليّ صوفي إلى باشا محسن
البداية تعود إلى الشيخ محمد الدمرداش المحمدي، المتصوف الذي عاش في زمن نهاية المماليك وبدايات الدولة العثمانية. رحل عام 1524م، ودُفن في مسجده القائم حتى اليوم داخل المستشفى، بحي العباسية.

تميزت طريقته الصوفية بخصوصية نادرة لا يزيد أتباعها عن ثمانين عضوًا فقط، يتوارثون الخلوات ولا تنتشر خارج القاهرة، لم يكن الدمرداش شيخًا عاديًا، بل مؤسس طريقة روحية منغلقة على صفوتها، وصاحب مقام لا يزال يزوره المريدون.

بعد قرون، جاء الحفيد البار عبد الرحيم مصطفى الدمرداش باشا (1853–1928)، الذي حمل إرث العائلة الروحي إلى بعد آخر. لم يكتفِ بالزاوية أو الحضرات، بل أنشأ مستشفى تحمل اسم جده.

في وصيته، اشترط أن يبقى اسم الأسرة مكتوبًا على بابها، وأن تظل وقفًا خيريًا لعلاج الناس.
كانت هذه المبادرة واحدة من أكبر الهبات الطبية في مصر الحديثة، لتتحول الدمرداش إلى ما يشبه الجسر بين التصوف والطب.

مستشفى بوصية روحية
حين تدخل إلى مبنى المستشفى اليوم، ستجد نفسك وسط واحد من أكبر الصروح الطبية في مصر.
لكن خلف الجدران التي امتلأت بالمرضى والطلاب وأطباء المستقبل، تكمن ذاكرة مختلفة.
فالمكان لم يُنشأ فقط من أجل العلاج، بل كصدقة جارية، وامتداد لرؤية صوفية عن خدمة الناس.

لا تزال محفوظة حتى اليوم بعض الأدوات الطبية القديمة جدًا: أدوات تعقيم أولية، وكتب علمية نادرة، كانت تُستخدم في بدايات الطب الحديث، وكأنك حين تراها تدخل متحفًا صغيرًا مخفيًا وسط مستشفى مزدحم.
وإلى جانب المستشفى، يطل عليك القصر الملحق بها، الذي ظل مهجورًا لعقود قبل أن يدخل تحت إشراف وزارة الآثار مؤخرًا.
جدرانه العالية وسقفه يحكون عن زمن كانت فيه القاهرة تجمع بين رقيّ العمارة الأوروبية والروح الشرقية.

المسجد والضريح.. قلب المكان
في منتصف المستشفى، ستجد جامع الدمرداش المحمدي. مسجد عريق يجمع المصلين كل يوم، لكن أهم ما فيه أنه يحتضن ضريح الشيخ المؤسس.
رائحة البخور، النقوش القديمة، والهدوء الذي يلف المكان، كلها تمنحك شعورًا أنك انتقلت من صخب المستشفى إلى حضرة روحانية.

كل خميس، بعد صلاة العشاء، تتجدد الروح. الحضرة الدمرداشية تُقام في رحاب المسجد، حيث يجتمع المريدون والتابعون في حلقة ذكر يرددون فيها أسماء الله، بقيادة أحفاد الشيخ.
مشهد يتداخل فيه الزمن: في الخارج سيارات الإسعاف ونداءات الممرضين، وفي الداخل أصوات الابتهالات والدفوف.
مريض يبحث عن الدواء، ومريد يبحث عن السكينة، وكلاهما يلتقيان عند نفس العتبة.

عالم الدمرداش المجهول
المفارقة أن أغلب من يقصدون المستشفى للعلاج قد لا يعرفون شيئًا عن هذا العالم الموازي. عن الطريقة الدمرداشية التي ما زالت قائمة، وإن كانت محدودة، عن القصر الذي أصبح أثرًا منسيًا، عن الأدوات الطبية التي تروي بداية مسيرة طويلة من التعليم الطبي في مصر، وعن المسجد الذي يضم مقامًا صوفيًا يتبرك به العابرون.

الدمرداش ليست مجرد مستشفى جامعي عريق يتبع جامعة عين شمس، بل هي ذاكرة روحية وطبية متشابكة.
هنا يرقد ولي صوفي، وهنا تُقام الحضرات، وهنا وُلدت آلاف الحيوات على أسِرّة المرضى.

حيث يلتقي الطب بالروح
قد تبدو فكرة الجمع بين مستشفى ومقام ومسجد وحضرة أمرًا غريبًا في زمننا الحديث.
لكن الدمرداش اختارت أن تكون مختلفة، أن تكون مكانًا يلتقي فيه الطب بالروح، والمادي بالمعنوي.
في ممراتها، تاريخ القاهرة الطبي يختلط بتاريخها الصوفي، ليبقى المكان حيًا بما هو أبعد من مجرد بناية أو مؤسسة.

وحين تغادر بوابات المستشفى، ربما تدرك أن الدمرداش ليست مجرد اسم يتردد في نشرات الأخبار أو على لافتات المستشفيات.
إنها حكاية كاملة.. حكاية عن رجل صوفي ترك أثره، وعن باشا محسن حول الإيمان إلى عمل، وعن مستشفى بقي شاهدة على أن الإنسان لا يحتاج إلى الدواء وحده، بل إلى الروح أيضًا.




