رئيس التحرير
عصام كامل

المشروع النووي الإثيوبي.. طموحات الطاقة تفتح جبهة جديدة من المخاطر في حوض النيل.. ومخاوف مشروعة بشأن المياه والنفايات المشعة والزلازل والبراكين

الرئيس الروسي بوتين
الرئيس الروسي بوتين ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد
18 حجم الخط

 يمثل التوجه الإثيوبي لإنشاء أول محطة للطاقة النووية بالتعاون مع روسيا تطورا يتجاوز مسألة تنويع مصادر الكهرباء؛ حيث يفتح الباب أمام تحديات بيئية ومائية وأمنية وجيوسياسية، خصوصا في ظل اعتماد إثيوبيا على موارد نهر النيل، والخلافات القائمة مع دولتي المصب مصر والسودان بشأن إدارة الموارد المائية. 

وعلى الرغم من أنه لا يمكن تقديم المحطة باعتبارها تهديدا مؤكدا لحصة مصر والسودان من مياه النيل، إلا أنه –في الوقت ذاته - يجب على القاهرة والخرطوم التعامل مع إنشاء تلك المحطة باعتبارها متغيرا جديدا يستحق الدراسة والمراقبة، خصوصا أن موقع المحطة وسعتها ونظام تبريدها لم تحسم بعد بحسب المعلومات المنشورة. 

وفي السياق، تبرز العديد من المخاطر المحتملة التي يجب مراقبتها منذ اللحظة الأولى لإعلان أديس أبابا عن إنشاء تلك المحطة، وفي القلب منها الضغط على موارد نهر النيل؛ حيث تحتاج المحطات النووية إلى كميات كبيرة من المياه لأغراض التبريد، وقد يؤدي اختيار موقع قريب من أحد روافد النيل أو بحيرة تانا أو أي مصدر مائي مشترك إلى إضافة طلب جديد على الموارد المائية.

المصادر المائية المشتركة لدولتي مصب نهر النيل

يفتح المشروع فصلا جديدا من النقاش بين إثيوبيا ودولتي المصب (مصر والسودان)، خصوصا إذا ارتبطت المحطة بمصادر مائية مشتركة. 

وتتمثل أبرز نقاط القلق المحتملة في إضافة استخدام صناعي كبير للمياه إلى منظومة الاستخدامات القائمة في حوض النيل، وغياب الشفافية بشأن موقع المحطة ومصدر مياه التبريد وحجم السحب السنوي، وارتباط المشروع بمناخ التوتر القائم حول إدارة مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي. 

وبلغة الأرقام، لا يتجاوز إيراد النيل 84 مليار م3، يأتي 72 مليار م3، أي 87% من مياه النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة (تانا) في أثيوبيا، بينما يأتي 13% من منطقة البحيرات العظمى أي نحو 12 مليار م3. 

سد النهضة الإثيوبي يثير مخاوف دول حوض النيل وخصوصا مصر والسودان باعتبارهما دولتي المصب
سد النهضة الإثيوبي يثير مخاوف دول حوض النيل وخصوصا مصر والسودان باعتبارهما دولتي المصب

ويجري نهر النيل داخل حدود 11 دولة (تنزانيا، الكونغو الديمقراطية، بوروندي، رواندا، كينيا، أوغندا، إثيوبيا، إريتريا، جنوب السودان، السودان، ومصر). وتكمن أهمية هذا النهر في أن اقتصادات دول الحوض تعتمد عليه في الزراعة وتربية الأسماك والسياحة وتوليد الطاقة الكهربائية، وفق دراسة نشرها "مركز دراسات الوحدة العربية". 

وفي تصريحات سابقة، نقل موقع "سي إن إن" عن وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم قوله: إن "أكثر من 98% من الموارد المائية المتجددة لمصر ترتبط بمياه تأتي من خارج حدودها، وأن الموارد المائية المتجددة لا تتجاوز نحو 56.80 مليار متر مكعب سنويا، في الوقت الذي تصل فيه الاحتياجات المائية إلى نحو 123 مليار متر مكعب سنويا، بينما يبلغ نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة في مصر نحو 472 مترا مكعبا سنويا، بما يضع مصر تحت حد الندرة المائية المطلقة البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويا". 

انعدام الأمن المائي في السودان

ولا يختلف الأمر بالنسبة للسودان؛ حيث أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" ومجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة التابعة للأمم المتحدة، في تقرير صدر أوائل أكتوبر الحالي، أن 67% من الأسر السودانية تعاني من انعدام الأمن المائي، فيما تفتقر 53.7% منها إلى الحد الأدنى من خدمات الصرف الصحي.

تعاني 67% من الأسر السودانية من انعدام الأمن المائي
تعاني 67% من الأسر السودانية من انعدام الأمن المائي

 وأوضحت المنظمتان في تقريرها، الذي تضمن نتائج التقييم متعدد القطاعات للاحتياجات الذي أجري في يوليو 2026، أن 67% من الأسر السودانية المشمولة بالمسح عانت من انعدام الأمن المائي خلال الشهر السابق للتقييم، فيما تفتقر 41.2% إلى خدمات المياه الأساسية، و53.7% إلى الحد الأدنى من خدمات الصرف الصحي، و46.8% إلى خدمات النظافة الأساسية، بحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس".

النفايات النووية المشعة

وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الدول التي تدخل المجال النووي للمرة الأولى تحتاج إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الأمان والأمن النوويين، وإدارة النفايات، والاستعداد للطوارئ، وليس مجرد إنشاء المحطة وتشغيلها، ما يعكس صعوبة التعامل مع النفايات النووية المشعة وتخزينها وتأمينها على المدى الطويل. 

وفي السياق، تطرح العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة من حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وأهمها من سيتولى تعدين اليورانيوم، وكيف سيتم حماية العاملين من الإشعاع؟ وأين سيقام المشروع، وكيف ستتم حماية المجتمعات المحيطة بالمحطة؟ ومن أين ستؤمن المياه اللازمة لتبريد المفاعل النووي والذي يعد بمثابة القلب والروح للمحطة النووية ومصدر الحرارة الرئيسي فيها؟ والأهم من ذلك، أين ستخزن النفايات النووية، علما بأنها ستظل مشعة لمدة 10 آلاف عام؟  

كما تبرز أسئلة أخرى حول كيف يمكن ضمان عدم وقوع كارثة انصهار نووي (وهو أمر مستحيل الضمان)؟، وفي حال حدوثها، كيف سيجري إجلاء آلاف الأشخاص؟ وهل تمتلك إثيوبيا -التي تعاني أزمات أمنية واضطرابات مسلحة- الإمكانيات اللازمة لعلاج الأشخاص الذين قد يتعرضون للإشعاع؟ وهذه الأسئلة، وغيرها الكثير، كان من المفترض أن يجري التفكير فيها قبل البدء حتى في التفكير بإنشاء محطة للطاقة النووية، كا يجب مراقبتها من دول الجوار، ودول حوض النيل.

<span style=
تحول مسار حركة فانو من التحالف مع أديس أبابا إلى القطيعة

وبحسب تقرير نشرته جريدة "كابيتال إثيوبيا" الإثيوبية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، فإن "أديس أبابا تعد نموذجا بارزا للتوتر القائم بين الطموحات النووية وهشاشة الأنظمة الرقابية؛ فبينما تمضي البلاد قدما في توسيع نطاق العلوم النووية عبر قطاعات متعددة، يشدد الخبراء على ضرورة إرساء إطار قانوني قوي وفعال"، محذرين من أن "المقاولين الأجانب الفاسدون يستغلون ضعف البنية التحتية وثغرات الحوكمة في الدول النامية لنقل نفايات مشعة خطرة، عبر تمريرها كبضائع تجارية عادية، ما يستوجب سن قوانين بيئية صارمة في الدول المتقدمة تجعل تكلفة شحن المواد الخطرة إلى أفريقيا أرخص بكثير من التخلص منها داخل تلك الدول نفسها".

معضلة تخزين النفايات المشعة

مع توسع إثيوبيا في استخدام الطاقة النووية، تحذر الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن تتحول إلى سلة للنفايات المشعة، خصوصا وأن تخزين النفايات المشعة يتطلب وسائل متقدمة تمنع أي احتمال لتعرض البشر للإشعاع أو حدوث أي تلوث إشعاعي. 

ويحتاج الوقود المستهلك، الذي يصنف ضمن النفايات عالية المستوى إشعاعيا، إلى أحواض مائية أو حاويات جافة، فيما يظل "التخلص الجيولوجي العميق" –وهو وسيلة لعزل النفايات الخطرة أو المشعة والوقود النووي المستهلك في بيئات جيولوجية مستقرة، على عمق يتراوح عادة بين 200 إلى 1000 متر تحت سطح الأرض- الحل الأكثر تفضيلا على نطاق واسع، ما يستوجب من دول الجوار مراقبة الخطوات الإثيوبية بهذا الشأن، في ظل ما تعانيه من أزمات اقتصادية، قد تعرقل الوفاء بهذه المعايير.

<span style=
تعاني إثيوبيا من توترات أمنية كبيرة وخصوصا في إقليم  تيجراي

كما تحتاج عملية التخزين إلى بيئة أمنية، وهو معضلة ليست سهلة في بلد شهد قبل أسابيع تحالف سبع جبهات مسلحة للإطاحة برئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد، وهي "قوات تيجراي، وميليشيات فانو القومية الأمهرية، وجيش تحرير أورومو (OLA)، وهو تمرد نشط في أكثر مناطق إثيوبيا اكتظاظًا بالسكان"، أما الجماعات الأربعة الأخرى فهي جبهة تحرير أوجادين الوطنية، وجبهة الوحدة الديمقراطية الثورية لعفار، وحركة تحرير شعب بني شنقول، وحركة جوموز الديمقراطية الشعبية.

تقييم المخاطر الزلزالية

يكتسب ملف تقييم المخاطر الزلزالية أهمية بالغة فيما يتعلق بإنشاء محطة للطاقة النووية في إثيوبيا، خصوصا وأن إثيوبيا تقع ضمن نطاق "صدع شرق أفريقيا"، وهي منطقة نشطة جيولوجيا. 

وبحسب مراقبين، يعد إجراء تحليل دقيق للمخاطر الزلزالية أمرا جوهريا لضمان قدرة أي منشأة نووية على الصمود أمام مخاطر الزلازل، من خلال استعانة الفرق الفنية بنظم المعلومات الجغرافية.

وفيما يتعلق بالمخاطر الزلزالية الإجمالية، فإن وجود جزء من صدع شرق أفريقيا، الذي يمر عبر وسط البلاد، يعني أن إثيوبيا معرضة للنشاط الزلزالي والكوارث الطبيعية المرتبطة به، وأهمها الزلازل والانفجارات البركانية. 

ويواجه وسط إثيوبيا خطرا متوسطا للزلازل، وهو أعلى من الدول المجاورة. وقد شهدت إثيوبيا عددا من الزلازل التي تسببت في وفيات وأضرار في المباني؛ حيث أسفرت الزلازل في إثيوبيا، خلال الفترة من عام 1900 إلى عام 2013، عن 93 حالة وفاة، و165 إصابة، وتشريد 420 شخصا، مما أثر على 11 ألف شخص، وبلغت الخسائر الاقتصادية الإجمالية المقدرة أكثر من 7 مليون دولار أمريكي. كما شهدت إثيوبيا بعض الانفجارات البركانية التي تسببت في وفيات وأضرار في المباني، جراء ضمها لعدد من البراكين النشطة، بحسب "مركز أبحاث التنمية المستدامة العالمي".

الجريدة الرسمية