يحبهم ويحبونه
يقول عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، لله تعالى عباد أحبهم الحق سبحانه وأحبوه فتح لهم باب التوفيق والقبول، لم يشغلهم عن طاعته عز وجل وذكره شاغل، تخلقوا بأخلاق الله واهتدوا بهدي رسوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام، تقلبوا في معيته وهاموا في محبته واكتوت أكبادهم بنيران الشوق إليه..
قربهم جل جلاله منه وأدناهم وأنار قلوبهم واصطفاهم وجعلهم موضع التجلي والنظر، وشهد لهم سبحانه وتعالى بالإخلاص وأمر بالصبر في صحبتهم، حيث قال تبارك في علاه في قرآنه (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)..
وهم عباد الله السابقون السابقون المقربون، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وهم أهل روح وريحان وجنة نعيم، يقول تعالى (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ)..
وقد جاء في الأثر أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام: إني قضيتُ على نفسي أن لا يحبني عبدٌ من عبادي أعلم ذلك من قلبه إلا كنت سمعه وبصره ولسانه، وأُبغض إليه كل شيء، وأمنعه شهوات الدنيا ولذاتها، وطيب عيشها، وأطلع عليه في كل يوم سبعين ألف مرة، وأزيد له كل ساعة لذائذ حبي، وحلاوة أنسي، وأملأ قلبه نورًا مني، حتى ينظر إلى كل ساعة فأمسح برأسه، وأضع يدي على ألم قلبه، حتى لا يشكو منه، وأنا أسمع خفقان قلبه من الشوق إلى لقائي، والخوف من قطيعتي..
وهو يقول: حقيق عليّ أن لا يسكن قلبي حتى أصل إليك يا ربي، يا يحيى وكيف يسكن قلب المشتاق وأنا غاية مُنيته، ومنتهى أمله، وهو كل ساعة يتقرب إليّ وأتقرب إليه، وأسمع كلامه، وأعلم أسفه، وأحب صوته؟، فوعِزَّتي وجلالي، لأنقبنه يوم القيامة منقبًا يغبطه الأولون والآخرون، ثم آمر مناديًا ينادي من تحت عرشي: هذا فلان ابن فلان ولي الله وصفيُّه، دعاه الله ليُقِرَّ عينه، ثم آمر برفع الحجاب حتى ينظر حبيبي إليّ، وأقول: السلام عليك عبدي ووليي أبشِّرك.
قال: فغشي على يحيى فلم يفق ثلاثة أيام، فلما أفاق قال: سبحانك سبحانك ما أكثر توددك إلى أوليائك وأصفيائك، لا يفصل عنك الأمل، يا خير صاحب وأنيس، فنعم المولى أنتَ ونعم النصير..
وروي أن الله تعالى قال في بعض وحيه: "إذا كان الغالب على قلب عبدي الاشتغال والأنس بي، رفعت الحجاب بيني وبينه في الباطن، حتى كأنه ينظر إلي"..
هذا ومما أوحاه سبحانه إلى سيدنا داود عليه السلام قال (يا داود إني خلقت طينة أهل محبتي من طينة إبراهيم خليلي، وموسى كليمي، وعيسى كلمتي وروحي، ومحمدا صفي ونجي، وخلقت قلوب المشتاقين إلىّ من نوري ونعمتها بجمالي وجلالي).
