تصنيف الإمام علي بن أبي طالب للناس
صنف الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه ورضي عنه- الناس إلى ثلاث، “عالم رباني. أو متعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع ينعقون خلف كل ناعق”.. والعالم الرباني هو العبد المؤمن التقي النقي سليم الصدر نقي السريرة العارف بالله الذي تم له الاجتباء والاصطفاء من الله عز وجل، صاحب القلب السليم والنور والبصيرة، الممنوح من الله تعالى الفهم الرباني الذي يفهم من الله بالله عن الله سبحانه.
وهو المؤتى الحكمة من الله وهي ميزان النور. وهو موضع نظر الله جل جلاله، قلبه موضع النظر من الله تبارك في علاه ومحل تجلياته بالعلوم اللدنية بما فيها من أنوار وعلوم ومعارف وحقائق وأسرار، وهو العبد الفاني عن نفسه الباقي بربه عز وجل، وهو الذي يتقلب في معية الله عز وجل على الدوام، فإذا نطق، نطق بالثناء على الله واشتغل بذكره تعالى، وإذا صمت كان ناظرا في آيات الله جل ثناؤه متفكرا ومتأملا فيها..
مشاهدا لعظيم الإبداع الإلهي وطلاقة القدرة الإلهية، وإذا تحرك، تحرك في طاعة الله، القرآن دليله وهدى النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام قائده ونوره، متبع لا مبتدع، متطلع إلى لقاء ربه تعالى وهو في حال شوق إليه سبحانه، لا يغفل قلبه عن ذكره، وهو الذي حقق لله تعالى العبودية بمعناها الحقيقي وهي “الذل والآنكسار والعجز والإفتقار والعوز الكامل لله تعالى الواحد الأحد القهار”..
وهو الذي حققه الحق عز وجل بحقيقة العبودية حتى أصبح عبدا ربانيا متخلق بأخلاق سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام متصف بصفات ربه تعالى ومولاه جل في علاه، وهو ممن أشار إليهم في خطابه لنبيه داود عليه السلام بقوله تعالى “يا داود: إن أهل محبتي يتعجلون لقائي شوقا إلي.. وإني لا أحب أن أتعجل لقاءهم فهم أهل نظري ورحمتي. بهم تمطر سمائي وتنبت أرضي. وهم الذين إذا ما نظرت إليهم لهان علي أن أغفر لجميع المسيئين من خلقي إكراما لهم.
يا داود: إني خلقت طينة أهل محبتي من طينة إبراهيم خليلي. وموسى كليمي. وعيسى كلمتي وروحي. ومحمدا صفي ونجي.. يا داود: بعيني ما يتحملون لأجلي وما يشتكون من حبي 'أي' من نيران أشواق المحبة المستعرة في قلوبهم.. يا داود: أول ما أعطيهم. أعطيهم ثلاث.. الأولى: أقذف في قلوبهم من نوري فيخبرون عني كما أخبر عنهم. والثانية: عند الله لو أن زنة السموات السبع والأراضين السبع في كفة حسنات أحدهم لاستقللت لهم ذلك. والثالثة: أرفع الحجاب الذي بيني وبينهم فيروني كما أراهم ثم أقبل عليهم بوجهي الكريم. أو يدري يا داود أحد من خلقي إذا ما أقبلت بوجهي على عبدي ماذا أريد أن أعطيه؟”
هذا بالنسبة للعالم الرباني. أما بالنسبة للصنف الثاني وهو المتعلم على سبيل النجاة هو المحب الصادق لهم والمتتلمذ على أيديهم طلبا للنجاة في الآخرة وهو ممن قال الله فيه "أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ".. أي معتقد ومصدق.. هذا وأما عن الصنف الثالث وهم الهمج الرعاع الذين ينعقون خلف كل ناعق هم أهل الرياء والنفاق والذين لا مبدأ لهم. وهم الأكثرون من البشر الذين لا خير فيهم..
