رئيس التحرير
عصام كامل

السلامة في الورع والهلاك في الطمع

18 حجم الخط

تسرق هموم الدنيا منا أعمارنا، وتنسينا أننا ضيوف في هذه الحياة. ونتكالب ونتصارع عليها ونتوهم أننا فيها خالدون، والحقيقة أننا لها مفارقون وعنها راحلون، ونحن فيها عابرو سبيل، وعلى أعمالنا فيها محاسبون، وتأخذنا طيلة الأماني والأمال حتى تُنسينا الآجال والموت والحساب، وتغٌلب على أنفسنا الأهواء فتسيطر عليها الغرائز والشهوات وتقودنا إلى الضياع والهلاك والهاوية دون أن نشعر، وتتعلق قلوبنا بالحياة فتصاب بأخطر الأمراض وهو حٌب الدنيا..

 

وعلى أثر محبتها والركون إليها والإطمئنان بها تنسينا الأجل والآخرة والموت والحساب، وتمتلئ النفوس بالأطماع فتُصاب القلوب وتعتل بالأمراض المٌهلكة دون أن نشعر، نعتل بأخطر مرض والذي ينشأ منه جميع الأمراض العالقة بالنفس البشرية وهو مرض الطمع، والذي يتولد منه الجشع وحب التملك والتكالب على الدنيا والإقتتال والصراع عليها..

والأنانية والغيرة والحسد والبخل والشح، والتكبر والتجبر والغرور والتعالي وأكل حقوق الآخرين وظلم العباد والفساد في الأرض، وإفساد الحياة عليها، وعدم إقامة الخلافة في الأرض كما أوجبها الحق عز وجل، والتي تتلخص في عمارة الأرض وإصلاحها وإثراء الحياة عليها، ونشر الرحمة الإلهية بين الخلق، وإقامة العدل الإلهي في ربوعها بين الخلق.

 

 وهنا أتذكر أقوال ونصح شيخي واستاذي مولاي العارف بالله تعالى الشيخ البيه رضوان الله عليه صاحب النور والبصيرة والفهم الرباني، كان يقول: إعلموا أن هلاك الدين والدنيا في الطمع، وأن سلامة الدين والدنيا وصلاح الآخرة في الورع، وأن أول داء إعتلت به النفس البشرية داء الحسد والطمع، وهو أول ما مرضت به وإعتلت نفس الشيطان عليه لعنة الله..

 

حيث أنه لما علم أن الله سيجعل له خليفة في الأرض فطمع وتطلع في نفسه في أن يكون هو المقصود بالإخبار الإلهي "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، وظن أنه المراد والمعني بالخلافة في الأرض، ولما خاب ظنه وآلت الخلافة إلى أبينا آدم عليه السلام إمتلأت نفسه النارية بالحقد والغيرة والحسد.. 

وكانت هي أول سمومه التي بثها في نفس أول ذرية أبينا آدم عليه السلام، قابيل أول سافك للدماء على الأرض بعد أن سولت نفسه بإيعاذ من الشيطان قتل أخيه المؤمن التقي سيدنا هابيل عليه السلام، وهو أول ولي لله عز وجل في الأرض، فقتله وكان الدافع وراء هذه الجريمة الشنعاء الطمع والحقد والحسد، وهو أول السموم التي بثها الشيطان في نفس الإنسان.. 

ولم ينتهي هذا الأمر عند قابيل، بل مازال إبليس وسيظل ينفخ وينفث في قلوب ونفوس أصحاب الأنفس المريضة الأمارة بالسوء، فلننتبه ونأخذ حذرنا من شرور النفس والشيطان ونسعى جاهدين لتزكية النفس وتطهير القلب وإخراج حب الدنيا من قلوبنا..

الجريدة الرسمية