الذكاء الاصطناعي.. هل يكون الخليفة عمر أم الطاغية فرعون؟
"كل فترة من الزمن تُفرز تقنية تُعيد صياغة ترتيب الأولويات في حياة الناس، لكن قلّما ما يصف الناس هذه التقنية بأنها تحتوى على مزايا يمكن معها أن يتخلص البشر من مشاكلهم وعلاتهم اليومية، وعلى الجانب الأخر تحتوى على خطرٌ يمكن أن يهدد وجودهم ويقطع أرزاقهم".. هذه التقنية هي الذكاء الاصطناعي.
وهذه المقولة هي ما أعتبرة خلاصة ما ذهب إليه بيل جيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت ورئيس مؤسسة جيتس، في مقالة مطوّلة له، الأسبوع الماضى، حين وصف الانتقال إلى عصر هذه التقنية بأنه "من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الإنسانية"، محذرًا في الوقت نفسه من أن العالم، بمؤسساته وسياساته الراهنة، لم يستعد بالقدر الكافي لمواجهة هذا التحول الكبير.
الذكاء الاصطناعي هو تقنية حديثة لا تشبه ما عرفناه من قبل
يبدأ جيتس مقاله بتحليل مقارنة شائعة، غالبًا ما تُستخدم لتهدئة المخاوف: أن الذكاء الاصطناعي ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الثورات الصناعية، تمامًا كما انتقل الإنسان قديمًا من العمل في الحقول إلى العمل في المكاتب.
يرى جيتس أن هذه المقارنة مضلّلة تمامًا، لأنها تتجاهل فارقًا جوهريًا في الزمن والطبيعة فتلك التحولات التاريخية استغرقت أجيالًا بأكملها لتنضج وتستقر، بينما يعمل الذكاء الاصطناعي، منذ اللحظة الأولى، على ما لدينا من أجهزة وأدوات موجودة أصلًا في جيوبنا وعلى مكاتبنا، ويتحدث معنا معظم الوقت بلغتنا الطبيعية دون حاجة إلى تدريب أو ترجمة.
بعبارة أخرى، لسنا نحن من يتكيّف مع هذه التقنية، بل هي التي تتكيّف معنا، وبسرعة مذهلة. والذكاء الأصطناعى الذي كان حتى وقت قريب عاجزًا عن حل لغز "سودوكو" بسيط، أصبح اليوم، بفضل قدرته المتسارعة على تصحيح أخطائه ذاتيًا دون تدخل بشري، في طريقه إلى تجاوز الإنسان في عدد متزايد من المهام المعرفية والذهنية.
سوق العمل أمام تغيرات غير مسبوقة
هنا يكمن جوهر القلق الذي يحمله جيتس في مقالته. فبخلاف موجات التحول التقني السابقة، التي كانت تضرب قطاعًا بعد آخر على مدى عقود طويلة، فإن أثر الذكاء الاصطناعي هذه المرة لن يقتصر على مهنة أو صناعة واحدة، بل سيمتد في وقت واحد تقريبًا إلى "القانون وخدمة العملاء والطب والبرمجيات والصناعة"، وذلك في غضون عقد واحد فقط لا عبر أجيال متعاقبة كما كان الحال من قبل..
والأخطر من ذلك أن الوظائف الأكثر عرضة للاختفاء هي وظائف المستوى المبتدئ والمتوسط، وهي بالضبط الوظائف التي يبدأ منها الشباب مسيرتهم المهنية، في حين أن الوظائف الجديدة التي ستنشأ عن هذه الثورة تتطلب مهارات يحتاج تعلّمها سنوات طويلة. هذا التفاوت يهدد بحفر فجوة عميقة بين من يملك الوقت والمال لإعادة تأهيل نفسه، ومن لا يملك شيئًا من ذلك.
ولا يتوقف القلق عند أصحاب الياقات البيضاء والمهنيين وحدهم، فمع الانخفاض التدريجي في تكلفة الروبوتات المتطورة، يتوقع جيتس أن تبدأ هذه الآلات الذكية بمزاحمة العمال اليدويين في قطاعات مثل البناء والضيافة، وذلك قبل نهاية هذا العقد الحالي..
ويصف جيتس ما يمكن تسميته بـ"الحلقة المفرغة": فحين تتبنى شركة ما هذه التقنيات لتقليل تكاليفها وخفض أسعارها، تجد الشركات المنافسة نفسها مضطرة، شاءت أم أبت، لأن تحذو حذوها كي تبقى في المنافسة. وهكذا يتسارع استبدال العمالة البشرية دون أن يواكبه ظهور فرص عمل جديدة بالقدر الكافي، فتنحصر ثمار هذه الثورة في يد فئة محدودة من الناس.
ويشير جيتس إلى أن الفئة الأكثر تأثرًا بهذا التحول هم الشباب الذين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى، في وقت تتقلص فيه المواقع التقليدية المخصصة للمبتدئين. ولعل هذا ما يفسر شعور هذه الفئة بالتحديد بتشاؤم متزايد تجاه تقنية هم في الواقع من أكثر مستخدميها.
ويذهب جيتس إلى أبعد من ذلك، متوقعًا أن اللحظة الحاسمة الحقيقية ستأتي حين يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على أداء عمله بلا أخطاء تُذكر، فتنعدم الحاجة إلى أي إشراف بشري عليه. عند تلك اللحظة، ستجد الشركات كل الحوافز الاقتصادية لتفويضه بالكامل دون تردد، وهو ما سيفرض على المجتمعات تساؤلًا وجوديًا: كيف يمكن بناء اقتصاد لا يقوم أساسًا على التوظيف بوصفه مصدرًا للدخل والكرامة والانتماء الاجتماعي؟
وجهان لعملة واحدة: الفرصة إلى جانب الخطر
مع كل هذه المخاوف، لا يقدّم جيتس رؤية تشاؤمية خالصة، بل يصف الذكاء الاصطناعي بعبارة بالغة الدلالة: إنه "قد يكون أعظم أداة للمساواة اخترعها الإنسان، أو أخطر مصدر للظلم" فإلى جانب مخاوف فقدان الوظائف، يرصد جيتس ثلاثة مخاطر جوهرية أخرى تستحق الانتباه.
أولها أن هذه التقنية قد تمكّن أفرادًا أشرارا (ذوي نيات سيئة)، حتى لو كانوا محدودي المهارة، من إلحاق ضرر واسع النطاق عبر الاحتيال والتضليل والهجمات السيبرانية.
وثانيها أنها قد تُسهم في تركيز السلطة أكثر في يد من يملكونها أصلًا، من خلال أسلحة مستقلة ومنظومات رقابة أكثر فاعلية من أي وقت سابق.
وثالثها تأثيرها المحتمل على نمو الأطفال والعلاقات الإنسانية، حيث قد تتحول الرفقة الاصطناعية إلى بيئة معزولة، تحرم الأجيال الجديدة من فرصة تعلّم مهارات التواصل الإنساني الحقيقي.
وفي المقابل، يرى جيتس فرصًا هائلة كامنة في هذه التقنية نفسها. فهي قادرة على تسريع وتيرة الابتكار العلمي، وتحسين جودة الرعاية الصحية من خلال أدوات تشخيص أكثر دقة، ومساعدة صغار المزارعين في الدول منخفضة الدخل على تحقيق مستويات إنتاجية تضاهي ما يحققه أغنى المزارعين حول العالم اليوم.
كما يمكنها أن تبسّط الخدمات الحكومية المعقدة التي تستهلك وقت المواطنين وجهدهم، وأن تسد النقص الحاد في مقدمي الرعاية النفسية الذي تعاني منه مجتمعات كثيرة.
نحو خطة عالمية للتعامل مع المرحلة القادمة
يخلص جيتس، في نهاية مقالته، إلى أن العالم يحتاج بشدة إلى إطار مؤسسي جديد كليًا، على المستويين المحلي والدولي، وهو إطار لم تُصمَّم من أجله مؤسساتنا القائمة حاليًا. ويطرح جيتس في هذا الصدد ثلاثة أفكار أولية يمكن البناء عليها.
الفكرة الأولى تتمثل في بناء منظومة جديدة لإدارة هذا الانتقال التاريخي، منظومة تستوجب تعاونًا دوليًا حقيقيًا، حتى بين قوتين كبريين متنافستين كالولايات المتحدة والصين.
والفكرة الثانية هي ما يسميه المجال المخصص للبشر، بمعنى تخصيص بعض المهن حصريًا للإنسان، مثل رعاية المسنين أو تبليغ الأخبار الطبية القاسية للمرضى، وذلك لاعتبارات إنسانية بحتة قبل أن تكون اقتصادية.
أما الفكرة الثالثة، فتتعلق بإعادة توازن النظام الضريبي بين العمل ورأس المال، من خلال فرض ضريبة على رموز الذكاء الاصطناعي والروبوتات، على أن يُستخدم ريعها في تمويل شبكات الحماية الاجتماعية وبرامج إعادة تأهيل العمال المتضررين.
ويختم جيتس مقالته بخلاصة بالغة الأهمية: إن هذه التقنية غير المسبوقة في تاريخ الإنسان تستدعي بالضرورة استجابة عالمية غير مسبوقة بالقدر نفسه، والجميع مدعوون للمشاركة في رسم ملامح هذا العصر الجديد. حيث إن السؤال الحقيقي الذي يضعه جيتس أمامنا ليس عن مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير كالبشر، بل عن قدرتنا نحن، كبشر، على صياغة قواعد إنسانية راسخة تحكم استخدام هذه التقنية، قبل أن تفرض هي -بمنطقها الخاص- قواعدها علينا.
