رئيس التحرير
عصام كامل

الوهْم الجمعي الذي نعيش بداخله والذات المتفردة

18 حجم الخط

كل ما نراه ونسمعه ونشمّه ونلمسه ليس هو العالم في ذاته، بل ترجمة تصنعها أدمغتنا لإشارات كهربائية وضوئية ونبضات عصبية لا معنى لها في ذاتها. العين تستقبل موجات ضوء، والأذن تستقبل ذبذبات هواء، والجلد يستقبل ضغطًا وحرارة - وكل هذه إشارات خام، لا لون فيها ولا صوت ولا رائحة، إلى أن يقوم المخ بترجمتها إلى ما نسميه "العالم من حولنا". نحن، إذن، لا نعيش في الكون، بل نعيش في الصورة التي رسمها المخ عن الكون.


والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بجرأة: لماذا نثق في هذه الترجمة إلى هذا الحد، ونظنها حقيقة مطلقة، بينما هي في جوهرها اتفاق قديم بين المخ وأدوات معينة تعوّد أن يأخذ منها الإشارة؟


قام طفل عبقري اسمه "باتريك فلانجان"، وهو في الرابعة عشرة من عمره، بتجربة هدفها جعل الجلد "يسمع" بدلًا من الأذن، عبر جهاز صغير يحوّل الصوت إلى إشارات كهربائية تنتقل عبر الجلد إلى العصب السمعي، وحصل عليه ببراءة اختراع أمريكية سنة 1968. لم تكن معجزة بقدر ما كانت كشفًا: الحاسة ليست هي التي تصنع الإحساس، بل المخ هو الذي يصنعه، والحاسة مجرد باب من أبواب كثيرة ممكنة.


وهم جماعي، لا حقيقة مشتركة

لماذا إذن نتفق جميعًا -كبشر- على أن السماء زرقاء، وأن صوت الرعد مخيف، وأن رائحة الورد طيبة؟ لأننا، في جوهرنا البيولوجي، مصنوعون من أصل مادي واحد: نفس الجينات في بنيتها العامة، نفس التركيب العصبي، نفس المستقبِلات التي صاغها التطور على مدى ملايين السنين لتخدم كائنًا واحدًا اسمه الإنسان. 

فترجمتنا للعالم متشابهة لأن المترجِم فينا واحد في تكوينه الأساسي. لكن التشابه في أداة الترجمة لا يعني أن المُترجَم هو الحقيقة ذاتها. إن ما نظنه عالمًا موضوعيًا مشتركًا بيننا، إنما هو في الحقيقة وهْم جماعي، اتفقنا عليه بحكم تشابه أجسادنا لا بحكم أننا أدركنا الكون كما هو. أي أننا نحن أفراد مختلفون، لكننا نتشارك الوهم نفسه، فنظنه حقيقة.


حين يختلف المترجِمون: العبقرية والفن والتصوف

ومن هنا يمكن أن نفهم ما نسميه العبقرية بشكل مختلف: العبقري ليس بالضرورة من يرى أكثر مما نرى، بل من تُصاغ ترجمته للإشارات بطريقة مغايرة، فيلتقط في الفوضى نفسها نمطًا لم يلتقطه غيره، أو يسمع في الصمت نفسه لحنًا لم يسمعه أحد. 

 

موزارت لم يكن يملك أذنًا أخرى، لكن مخه كان يترجم الذبذبات نفسها إلى بنية لم تدركها آذان معاصريه. وفان جوخ لم يكن يرى سماء مختلفة عن سماء جيرانه في آرل، لكن مخه ترجم الضوء نفسه إلى دوامات من الزرقة والذهب لم يبصرها أحد قبله؛ فحين نقف أمام لوحته "ليلة مرصعة بالنجوم" فإننا في الحقيقة لا ننظر إلى السماء، بل ننظر إلى ترجمة عبقرية لضوء رآه هو وحده.


وكونفشيوس وبوذا والمتصوفة، من جهتهم، لم يدّعوا حاسة سادسة حين تحدثوا عن رؤية القلب أو سماع الحقيقة، بل أشاروا -ربما بغير علم دقيق بما يصفون- إلى الفكرة نفسها: أن أدوات الترجمة قابلة للاتساع. وابن عربي حين تحدث عن العين التي يرى بها الإنسان، لم يكن يصف عضوًا جديدًا، بل مخًا اتسعت طاقته على الترجمة حتى التقط من الإشارات ما لا يلتقطه غيره. فالعبقرية والفن والتصوف، في جوهرها، ليست خروجًا عن قوانين الإدراك، بل إتقانًا نادرًا لها.


عالم الطائر والحشرة والحيوان: نفس الكون، وهْم آخر

وإذا كان هذا الاختلاف الطفيف بين إنسان وإنسان كافيًا لصناعة عبقري، وصاحب رؤية، بل ونبي، فماذا عن الاختلاف الجذري بين إنسان وكائن آخر؟ النحلة ترى العالم بألوان فوق بنفسجية لا ندركها نحن إطلاقًا. الكلب يعيش في كون من الروائح لا نتخيل ثراءه. الخفاش يرى بالصدى الصوتي لا بالضوء. الطائر يستشعر المجال المغناطيسي للأرض كخريطة يهتدي بها. 

كل هذه الكائنات تعيش في الكون المادي نفسه الذي نعيش فيه، تحت الشمس نفسها وعلى الأرض نفسها، لكنها تترجمه إلى عالم مختلف كليًا عن عالمنا، لأن أدوات الترجمة فيها مختلفة عن أدواتنا. فالكون واحد، لكن العوالم المتصورة عنه بعدد الأنواع التي تدركه، بل بعدد الأدمغة التي تترجمه.


من الكل إلى الذات

هذا من الناحية الكلية إلا أن كل واحد منا يشعر بأنه موجود - يفكر، ويحس، ويدرك ما حوله بذاته. هذا الشعور بالوجود الذاتي هو ما نسميه الوعي. لكن السؤال الذي حيّر الفلاسفة والعلماء منذ آلاف السنين هو: من أين يأتي هذا الشعور بالتفرد رغم اشتراكنا في وهم الوعي الجمعي  بالعالم حولنا وبالكون؟


العلم يقول أن الوعي صناعة الدماغ.. وهو نتيجة طبيعية لعمل ملايين الخلايا العصبية التي تتواصل فيما بينها، وينتج عن هذا التواصل المعقد شعورنا بأننا "نحن". بمعنى آخر: لا يوجد شيء آخر، والوعي هو الجسد وهو يفكر.


لكن هذا التفسير يصطدم بمشكلة حيّرت حتى أكبر العلماء: نحن نستطيع أن نفهم كيف تعمل خلايا الدماغ، لكن لا أحد يستطيع أن يفسّر لماذا يصاحب هذا العمل شعورًا من الداخل بالذاتية. الدماغ مجرد آلة تعالج المعلومات في صمت، دون أن تشعر بشيء، هذه الفجوة تُعرف في الفلسفة بـ"المشكلة الصعبة للوعي"، ولم يستطع أحد حتى الآن أن يسدّها.


ما هي النفس؟

وقبل أن ننتقل إلى الروح، ثمة مرتبة وسيطة يغفل عنها كثيرون حين يختزلون الإنسان في ثنائية الجسد والروح فقط: وهي النفس. فالنفس -في التكوين اللا بيولوجي للفرد- ليست الروح، وليست مجرد نشاط الخلايا العصبية أيضًا. إنها مخلوقة، أي كائنة داخل الزمان: تُولد مع الإنسان، وتنمو معه، وتتقلب أحواله بتقلبها، بل إنها تعيش وتموت كما يعيش الجسد ويموت على خلاف الروح التي -في التصور الديني- أمر إلهي لا يوصف بالفناء بهذا المعنى.


والنفس، خلافًا للدماغ الذي يتشابه تركيبه العام بين البشر، تختلف اختلافًا جوهريًا من ذات إلى أخرى: فهناك، كما يصفها القرآن، نفس مطمئنة، ونفس أمّارة بالسوء، ونفس لوّامة تحاسب صاحبها. وهذا الاختلاف هو ما يمنح كل إنسان طاقته الأخلاقية الخاصة، وقدرته على السعة والاتساع أو الانكماش والضيق، بحسب ما يغذيها صاحبها أو يُضعفها.


ولعل أدق آية تصف هذه الحقيقة هي قوله تعالى: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" (البقرة: 286). ففي هذه الآية إقرار بأن النفس كيان له سعة تتفاوت من فرد لآخر، وأن التكليف مشروط بهذه السعة لا يتجاوزها، وأن كل نفس مسؤولة عن كسبها الخاص وهو ما يفرد كل إنسان بذاتيته وضميره، ويجعل النفس، لا الروح، هي مقرّ هذا الضمير الذي يحاسبنا من الداخل.


تساؤلي هو، هل للنفس كود مثل ما للجسد.. وإن كان، فأين هو؟ فإذا كان الجسد هو الآلة، والوعي أثر عملها، فإن النفس هي الكيان الأخلاقي المتفرد الذي يحمل هذا الوعي ويوجهه، ويتسع أو يضيق بقدر ما يزرع فيه صاحبه. أما الروح، فأمر آخر تمامًا.
 

الدين يري الروح أسبق من الجسد. فالأديان تقول أنها ليست نتاج الجسد ولا نتاج النفس، بل هي التي تسبقهما وتُنفخ فيهما. في القرآن، يُوصف أمر الروح بأنه أمر إلهي يفوق فهم الإنسان ("قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي"). على هذا الفهم، الوعي الذي نشعر به ليس مصدره الدماغ وحده ولا النفس وحدها، بل هو أثر حضور الروح في هذا الجسد - مثل الضوء الذي يظهر أثر الكهرباء دون أن يكون هو الكهرباء نفسها.


فمن أين يأتي الوعي إذن؟

هنا يكمن السؤال الحقيقي: هل الوعي شيء يصنعه الدماغ من مادته، أم شيء تحمله النفس بحسابها الأخلاقي، أم شيء يعبر من خلالهما من مصدر أعمق هو الروح؟ بعض الفلسفات الروحانية تذهب إلى رأي رابع مثير: أن الوعي ليس نتاج المادة ولا النفس الفردية ولا حتى الروح  وحدها، بل هو الأصل الذي يخرج منه كل شيء - وأن روح كل إنسان ما هي إلا شرارة صغيرة من وعي أكبر يحيط بالكون كله.

الحقيقة أن هذا السؤال لا يستطيع العلم وحده أن يجيب عليه، لأنه يصف كيف يعمل الدماغ لكنه لا يفسّر لماذا نشعر بذاتيّتنا، ولا يستطيع الدين وحده أن يجيب عليه، لأنه يخبرنا أن هناك نفسًا وروحًا لكنه لا يشرح كيف تتصلان بالجسد بالضبط.  ويبقى السؤال معلّقًا، كما ظل معلّقًا بين الفلاسفة عبر التاريخ، من أفلاطون إلى الغزالي وابن رشد.

وربما في بقاء هذا السؤال بلا جواب نهائي حكمة خفية: فالإنسان الذي يظل يسأل عن نفسه، هو إنسان يقظ. وربما هذه اليقظة نفسها هي جوهر الوعي الذي نبحث عن تفسيره.

الجريدة الرسمية