رئيس التحرير
عصام كامل

بوفورد برايس.. العالم الغائب عن نوبل والحاضر فى اكتشاف أسرار الكون.. هذه تفاصيل رحلة القطب الجنوبي العلمية

فرانسيس هالزن، فيتو
فرانسيس هالزن، فيتو
18 حجم الخط

لو كان عالم الفيزياء الأمريكى بوفورد برايس على قيد الحياة، لربما شارك نظيره البلجيكى الأمريكى فرانسيس هالزن فرحة التتويج بجائزة نوبل فى الفيزياء لعام 2026. لكن قواعد الجائزة التى لا تمنح لـ”موتى” حالت دون إدراج اسمه بين الفائزين، ليبقى نصيبه من هذا الإنجاز إرثا علميا مهد الطريق أمام الاكتشاف. 


فقد رحل برايس عام 2021، قبل أن يشهد تتويج المسيرة التى ساهم فى تمهيدها؛ إذ كان أحد الأعضاء المؤسسين لمرصد “آيس كيوب” فى القطب الجنوبي، وشارك فى تأسيس مشروع “أماندا” الذى سبق المرصد ومهد لظهوره. وأسهم- مع فريقه- فى إثبات إمكانية استخدام الجليد العميق لرصد النيوترينوات. فاتحا نافذة علمية جديدة لاستكشاف أسرار الكون. فقبل إطلاق مشروع “أماندا”، كانت فكرة استخدام الجليد الطبيعى لرصد الجسيمات دون الذرية موضع شك داخل المجتمع العلمي. لكن المشروع نجح فى تحويل الفكرة إلى تجربة عملية، واضعا الأساس الذى انطلق منه مرصد “آيس كيوب” لاحقا.


ولم يقتصر دور “أماندا” على إثبات إمكانية رصد النيوترينوات عبر الجليد العميق، بل امتد إلى توفير البيانات اللازمة لتحديد الأعماق المناسبة لتوزيع المستشعرات، وتطوير تقنيات الحفر باستخدام نفاثات المياه الساخنة لصهر الجليد وفتح قنوات رأسية يجرى من خلالها إسقاط سلاسل المستشعرات، قبل أن يتجمد الماء حولها مجددا ويثبتها فى مواضعها.


وهكذا، تحولت طبقات الجليد فى أعماق القطب الجنوبى من كتلة طبيعية جامدة إلى جزء أساسى من منظومة علمية ترصد جسيمات قادمة من أعماق الكون.


وبحسب لجنة نوبل، جرى منح هالزن جائزة نوبل فى الفيزياء لعام 2026 تقديرا لعمله الرائد فى إنشاء مرصد “آيس كيوب” لتتبع النيوترينوات، وهى جسيمات عالية الطاقة كان يصعب رصدها فى الكون، ولا تعرف كيفية تكونها، مضيفة أن هانز البالغ من العمر 82 عاما، أدرك أنه يمكن استخدام الجليد ​فى القطب الجنوبى لتتبع النيوترينوات، التى تعرف أحيانا باسم “الجسيمات الشبحية” نظرا لطريقة مرورها عبر الأرض دون أن تترك ‌أثرا، ولأنها لا تتفاعل مع المادة إلا فى حالات شديدة الندرة.


فهم أوسع للكون

من جهته، يقول عالم الفيزياء المصرى بجامعة هارفارد محمود عبد الحفيظ فى تصريحات لـ”فيتو”: لم يكن غريبا أن يرتبط الإعلان عن فوز فرانسيس هالزن بجائزة نوبل فى الفيزياء لعام 2026، بمرصد “آيس كيوب”، ذلك المرصد العملاق المدفون تحت جليد القطب الجنوبي، وإلى النيوترينوات التى قضى عقودا يطاردها.


ويضيف: فتح فرانسيس هالزن لنا نافذة جديدة لفهم الكون؛ حيث يمكن للنيوترينوهات الوصول إلينا من أماكن بعيدة وأن تحمل لنا معلومات عن ظواهر كونية شديدة الطاقة. وتمثل التحدى الأكبر فى رصدها، وهو ما حققه مرصد “آيس كيوب” باستخدام كواشف مدفونة فى جليد القطب الجنوبي.


ويتابع عبد الحفيظ فى تصريحاته لـ”فيتو”: نعرف الكون من الضوء الذى يأتينا من النجوم. وهذا الاكتشاف جعلنا نرصده بطريقة ثانية، عن طريق جسيمات النيوترينوهات، والتى تصل إلينا من أماكن بعيدة، وتمر خلال المادة بسهولة شديدة، ما يفتح لنا نافذة أوسع لفهم الكون والظواهر الكونية العنيفة، ويحمل لنا رسائل تتضمن معلومات من الكون تفتح الباب أمام المجرات البعيدة لتخبرنا عن عمليات انفجار النجوم؛ حيث تزود التفاعلات التى سجلها مرصد “آيس كيوب” فى القارة القطبية الجنوبية الباحثين ​بالمعرفة حول كيفية تكون النيوترينوات عالية الطاقة، وقد تكشف عن ظواهر كونية لم تكن معروفة من قبل.


تجربة تشبه المغامرة

دعنا نجرب” ربما كانت أولى تذاكر هالزن لاقتحام جليد القطب الجنوبي. تلك الرحلة التى بدأت بعبارة “فلندرس الجليد، ولنصمم أداة للحفر بالماء الساخن، ولنر إن كانت الفكرة ستنجح”، قبل أن يفاجأ –هو وفريقه البحثي- باجتياز عقبة بعد أخرى!


الجسيمات والأشعة الكونية

بدأت قصة هالزن فى ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان يعمل على فيزياء الجسيمات والأشعة الكونية؛ حيث طرح فكرة استخدام الجليد الطبيعى فى القطب الجنوبى كوسيط لرصد النيوترينوات، ولتنفيذ الفكرة، لجأ –ومعه فريقه العلمي- إلى تقنية عملية لكنها شاقة، تمثلت فى حفر ثقوب عميقة داخل الجليد باستخدام المياه الساخنة، ثم إنزال سلاسل طويلة من أجهزة الاستشعار الضوئية إلى أعماق كبيرة قبل أن تتجمد المياه مرة أخرى؛ حيث أسهم مشروع “أماندا” فى إثبات أن الجليد العميق يمكن أن يكون شفافا بما يكفى لرصد الضوء الناتج عن الجسيمات، بعدما واجه العلماء فى البداية مشكلة فقاعات الهواء التى كانت تشتت الضوء فى الطبقات الأعلى.


وبعد نجاح التجارب الأولية، قدم مقترح إنشاء مرصد “آيس كيوب” إلى مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية عام 1999، وكان هالزن الباحث الرئيسى للمشروع، وبدأ البناء الفعلى فى 2004، قبل أن يكتمل فى 2011، وفق تقارير إعلامية.


وعلى الرغم من أن لجنة نوبل وصفت هالزن بأنه “القوة الدافعة” وراء المشروع، وأن “مثابرته ورؤيته العلمية مهدت الطريق لنوع جديد من علم الفلك”، بصفته الباحث الرئيسى الذى قاد العمل الجماعى منذ المراحل الأولى وحتى الوصول إلى التشغيل العلمى الكامل، إلا أن هالزن أكد عقب حصوله على الجائزة، رغبته فى أن “تسلط الجائزة الضوء على الباحثين والمهندسين الذين خاطروا بالانضمام إلى المشروع فى مراحله الأولى”.

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية