رئيس التحرير
عصام كامل

سوريا بين أطماع التمدد واستحقاقات السيادة

18 حجم الخط

تخوض سوريا اليوم مرحلة تاريخية فارقة ومفصلية في تاريخها الحديث والمعاصر؛ حيث تتشابك استحقاقات التعافي الداخلي مع ضغوط التوازنات الجيوسياسية المعقدة. وفي الوقت الذي يجب أن تسعى فيه البلاد بكل ثقلها إلى ترميم هياكل الدولة الرثة، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية المتهالكة عقب تحولات سياسية وعسكرية كبرى أطرت المشهد السوري بملامح وموازين قوى جديدة، تبرز حاجة ملحة لإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية. 

 

وبينما تتجه فيه الأنظار الشعبية والسياسية نحو ضرورة استعادة الاستقلالية في إرجاع القرار السياسي إلى الداخل السوري، وتحقيق التعافي الاقتصادي والاجتماعي الشامل بعد سنوات طويلة من الاستنزاف والتشرذم، تتزايد تحركات القوى الإقليمية والدولية لإعادة التموضع وفرض واقع ميداني وسياسي دائم. 

 

وتبرز تركيا في صدارة ومقدمة هذه القوى الإقليمية الفاعلة، ساعية بكل ثقلها السياسي والعسكري إلى تحويل تواجدها العسكري الميداني واللوجستي الممتد في الشمال السوري إلى شراكة مؤسسية ونفوذ مستدام طويلة الأمد. وتمرر أنقرة هذا التوجه تحت مسوغات مختلفة وذرائع متعددة تتراوح بين الحماية المباشرة، وحفظ الأمن القومي التركي، وتقديم العون الإنساني، والشراكة الاقتصادية والتنموية. 

 

غير أن التمعن العميق في مقومات هذه الاستراتيجية التركية، وتفكيك أبعادها ومآلاتها المستقبليّة، يقتضي طرح أسئلة نقدية صارمة لا تتغاضى عن المخاطر الجسيمة الناجمة عن استبدال نمط قديم من التدخل الإقليمي بنمط جديد مرادف له، ومحاولة تحويل الساحة السورية مجددًا إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الجيوسياسية بين القوى العظمى والإقليمية، أو اتخاذ الجغرافيا السورية مجرد جسر وطريق عبور للتمدد والتغلغل نحو عمق الشرق الأوسط والعالم العربي.


الاستراتيجية التركية وخطورة استنساخ النموذج الإيراني

عند تفكيك آليات الحراك التركي في العمق السوري خلال السنوات الأخيرة، وصولًا إلى المرحلة الانتقالية والمشهد الراهن، يلاحظ المتابع الجاد وجود تشابه هيكلي ووظيفي عميق -رغم التباين الأيديولوجي الشديد والأساليب الظاهرية المختلفة- مع نماذج التدخل الإقليمي السابقة التي شهدتها المنطقة، وعلى رأسها النموذج الإيراني الذي عانت منه الشعوب والدول العربية لعقود متطاولة. 

 

تتأسس الاستراتيجية التركية في إدارة الملف السوري على مرتكزين رئيسيين يعيدان إنتاج أطر الهيمنة الإقليمية بصورة متجددة ومؤطرة قانونيًا؛ أولهما استثمار الفصائل ورعاية الكيانات الموازية، حيث عملت أنقرة طوال السنوات الماضية على بناء شبكات واسعة وممتدة من التشكيلات المسلحة والإدارات المحلية والمدنية المحسوبة عليها والتابعة لقراراتها في مناطق الشمال والشرق السوري. 

 

ورغم الحديث السائد حاليًا عن دمج واستيعاب هذه القوى ضمن مؤسسات الجيش والشرطة السورية المركزية، فإن التخوف الأكبر والمهدد الحقيقي يكمن في بقاء الولاءات التنظيمية، والأيديولوجية، والمادية عابرة للحدود الوطنية؛ مما يؤدي بالضرورة إلى خلق أجسام وهيئات داخل الدولة، يدين ولاؤها الخفي والفعلي لمراكز القرار في أنقرة بدلًا من دمشق، وهو تمامًا المنهج الذي اعتمدته طهران من خلال المليشيات الوكيلة لتعطيل القرار الوطني المستقل في العديد من العواصم العربية. 

 

أما المرتكز الثاني فيتمثل في شرعنة النفوذ عبر التغطية المؤسسية والقانونية، بدعم أو تغاضٍ ملحوظ؛ إذ يسجل المتابعون موقفًا غامضًا ومتماهيًا من قِبَل الحكومة السورية الانتقالية تجاه هذا النفوذ المتمدد. حيث تبدو السلطة الانتقالية وكأنها تغلب رهانات تثبيت حكمها واكتساب الشرعية والغطاء الأمني الإقليمي على حساب السيادة الوطنية الصلبة والأولويات السورية المستقلة، متقبلة إبرام اتفاقيات ثنائية ومذكرات تفاهم شاسعة تتصل بإعادة هيكلة التدريب الأمني، وتطوير العقيدة العسكرية، وإدارة الحدود والأمن القومي. 

 

إن فرض مثل هذه الأطر وتسهيلها من الداخل في مرحلة الانتقال السياسي الحساسة والهشة يهدد بسلب عقيدة القوات المسلحة السورية استقلاليتها الوطنية الخالصة، وجعل المنظومة الأمنية برمتها مرتهنة للتوافقات والحسابات الأمنيّة التركية بدلًا من أن تكون درعًا خالصًا وصارمًا لحماية السيادة الوطنية والتراب السوري.


تحويل الجغرافيا السورية إلى ساحة صراع مع إسرائيل

من بين أكثر الأخطار الداهمة والوجودية التي تهدد استقرار سوريا وسيادتها المستقبلية وتماسكها الاجتماعي والجغرافي، هو الانزلاق التدريجي والممنهج للجغرافيا السورية لتصبح مسرحًا مفتوحًا للصراع، والتنافس، واستعراض القوى، وتبادل الضربات بين أنقرة وإسرائيل. 

 

ويتجلى ذلك بوضوح في ملامح التقسيم الأمني غير المعلن لمناطق التأثير والنفوذ؛ حيث يحاول الطرف التركي تثبيت أقدامه وتوسيع خريطته الأمنية والعسكرية في مناطق الشمال والوسط وصولًا إلى مناطق شرق الفرات الاستراتيجية الغنية بالموارد، بينما تتمدد وتندفع إسرائيل لفرض واقع أمني جديد وعازل بالقوة المسلحة في مناطق الجنوب والساحل والمنطقة الجنوبية الغربية. 

 

وتزيد ضبابية موقف الحكومة الانتقالية وصمتها السياسي والإعلامي حيال هذه التفاهمات الضمنية من تعقيد المشهد؛ إذ يُقرأ هذا التردد الداخلي باعتباره عجزًا أو مساومة ضمنية تهدف لضمان الاستقرار الشكلي للسلطة الانتقالية على حساب سلامة الأراضي الوطنية. 

 

إن هذا التوزيع الواقعي والفعلي لمناطق النفوذ يُفرغ مفهوم الوحدة الترابية لسوريا من معناه السيادي والحقيقي، ويجعل الدولة السورية بأكملها رهينة لتوازنات الرعب، والرسائل العسكرية المتبادلة، والخطوط الحمراء المعقدة بين طرفين إقليميين يتصارعان على اقتطاع نفوذهما الخارجي. 

 

يضاف إلى ذلك الخطر البالغ المتمثل في "تأجير السيادة" وتصفية الحسابات الإقليمية على حساب دماء السوريين وبنيتهم التحتية؛ إذ إن السماح للأطراف والمحاور الخارجية بانتهاك واستخدام الأراضي والمجال الجوي السوري كساحة لتصفية الحسابات السياسية أو تبادل الرسائل الأمنية والاستخباراتية، يُعيد إنتاج مأساة الحرب بالوكالة التي أنهكت الشعب السوري ودمرت مقدراته طوال العقود الماضية. 

 

فلا يمكن لمشروع بناء دولة حقيقية، قوية، ومستقلة أن يستقيم أو يكتب له النجاح إذا بقيت القرارات الأمنية والعسكرية الكبرى تُصنع وتُتخذ في عواصم إقليمية ودولية تبحث فقط عن توسيع هوامش نفوذها وتأمين حدودها الاستراتيجية الخاصة على حساب حسابات الأمن القومي السوري.


سوريا كممر للتمدد التركي في العالم العربي

يمتد البعد النقدي والتحليلي للطموحات الاستراتيجية التركية إلى ما هو أبعد بكثير من الحدود الجغرافية للداخل السوري؛ حيث يُنظر إلى تثبيت وتأطير الحضور التركي المكثف في سوريا باعتباره نقطة انطلاق استراتيجية وجسرًا حيويًا نحو التغلغل والتمدد في عمق العالم العربي والشرق الأوسط. 

 

ويتحقق هذا التوجه الخطير من خلال مسارين رئيسيين؛ المسار الأول هو الاستثمار المباشر في الفراغ الجيوسياسي وحالة الضعف المؤسسي؛ إذ تستغل أنقرة حالة الإنهاك الاقتصادي والتشرذم الاجتماعي، مرفقة بمرونة مفرطة وسلوك متماهٍ من القائمين على إدارة المرحلة الانتقالية، لتفرض واقعًا يتجاوز أطر التبادل التجاري الطبيعي والعادل إلى الشروع في فرض هيمنة اقتصادية، مالية، ولوجستية شاملة. 

 

إن تحويل سوريا إلى مجرد شريط ترانزيت مفتوح ومنفذ تجاري حادي الاتجاه للبضائع والنفوذ التركي المتجه نحو أسواق الخليج العربي والشرق الأوسط، دون وجود توازن اقتصادي وطني أو موقف حكومي حاسم يحمي الصناعة والمنتجات والمؤسسات السورية المحلية، يؤدي إلى إعادة فرض موازين قوى غير متكافئة تُحول الاقتصاد السوري برمنه إلى اقتصاد تابع ومستهلك للأسواق والمصالح التركية. 

 

أما المسار الثاني فيتمثل في إحداث خلل عميق في التوازن الإقليمي والأمن القومي العربي؛ حيث إن تحويل سوريا إلى قاعدة لوجستية وسياسية وأمنية متقدمة للنفوذ التركي يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنظومة العربية. وهو ما يضع الدول العربية قاطبة أمام مسؤولية تاريخية وقومية لمساندة استقلالية القرار السوري، ودعم إعادة إدماج دمشق في بيئتها وعمقها العربي الطبيعي للحد من محاولات أطراف الإقليم المختلفة التي تسعى لتحويل سوريا إلى منصة انطلاق وتمدد باتجاه باقي دول المنطقة.


مرتكزات العبور نحو السيادة والاستقلال الوطني

لكي تتمكن سوريا من العبور بأمان وسلام عبر هذه المرحلة الانتقالية المعقدة، وتتجنب الوقوع في فخ التبعية الإقليمية الجديدة أو استبدال وصاية بوضاية أخرى، تتأكد أهمية تصويب بوصلة الأداء الحكومي والسياسي، والاستناد إلى محددات وركائز وطنية صارمة تُعلي مصلحة البلاد السورية العليا فوق كل حسابات سلطوية ضيقة أو صفقات بقاء مرحلية. 

 

وفي صدارة هذه المحددات يأتي التأكيد على ضرورة بناء وتحديث الأجهزة والمؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس عقيدة وطنية مستقلة وخالصة؛ بحيث تكون حمايتها موجهة للسيادة والشعب السوري بعيدًا عن أي استشارات، أو توجيهات، أو اختراقات خارجية تهدف لتطويع القرار الأمني لخدمة أجندات إقليمية. 

 

كما يتوجب على السلطات الوطنية الانتقالية وأطراف العمل السياسي التخلي عن حالة الارتهان الخارجي، ووضع خطة عمل جدولية وزمانية محددة وواضحة لإنهاء كافة أشكال ومظاهر التواجد العسكري الأجنبي غير المشروع، سواء أكان ذلك تمثلًا في قواعد عسكرية، أو نقاط مراقبة، أو تشكيلات وقوات غير نظامية، مع العمل الفوري على استعادة السيطرة الكاملة، والمطلقة، وغير المشروطة على الحدود البرية، والبحرية، والمجال الجوي السوري. 

 

أضف إلى ذلك أهمية التزام الدولة السورية بالحياد الإيجابي والنأي بالنفس عن سياسة المحاور والنزاعات المسلحة، والاعتماد الراسخ على العمق والاستنكار العربي كصمام أمان أساسي يضمن حماية الاستقلال السياسي، وصون السيادة الوطنية، ومنع تحول البلاد إلى ورقة تفاوض في الصفقات الإقليمية.


ختامًا

في الخاتمة، يجب التأكيد على أن صياغة ورسم مستقبل سوريا الجديدة والمتجددة لا يمكن أن تحققا برعاية أو وصاية إقليمية تُغلب مصالحها الأمنية والجيوسياسية والتوسعية على حساب تطلعات وطموحات الشعب السوري في قيادة دولته وبناء مجتمعه الحر، كما لا يمكن أن تُبنى هذه الدولة بسياسات انتقالية متماهية تتنازل عن مقومات السيادة لقاء تثبيت أركان الحكم. 

 

إن الدرس والعبرة الأساسية القادمة من سنوات الحرب والصراع الطويلة الممتدة تُثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن استبدال نفوذ خارجي بنفوذ آخر لا يصنع استقرارًا، ولا يحقق تنمية، ولا يبني دولة مؤسسات حقيقية. إن كسر حلقة التبعية المقيتة، ورفض كافة أشكال الهيمنة، ومنع استغلال الجغرافيا السورية كعرش للتمدد الإقليمي أو ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين، هما الشرط الأوّلي، والوحيد، والمفصلي لولادة دولة سورية وطنية حديثة، ذات سيادة كاملة على كافة أراضيها، ومستقلة القرار في حاضرها ومستقبلها.

الجريدة الرسمية