على مسئولية الفقيه الدستوري الدكتور صلاح فوزي: حان وقت صياغة دستور جديد لمصر.. الجمهورية الثالثة تفرض علينا مراجعة الوثيقة الدستورية.. وأحذر من التعسف في استخدام الأدوات الرقابية تحت قبة البرلمان
تغير هيئة الناخبين منذ 2014 يفرض سؤالًا حول ملاءمة الدستور للمرحلة الراهنة
عقود الامتياز والسن الأدنى للترشح من أبرز المواد التى تحتاج مراجعة
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تحولات واسعة فى مجالات التنمية والاقتصاد والتشريع، وفى ظل هذه المتغيرات برزت تساؤلات حول مدى ملاءمة الدستور القائم لمتطلبات المرحلة، وما إذا كانت ملامح ما يُعرف بـ«الجمهورية الجديدة» تستدعى مراجعة الوثيقة الدستورية أو صياغة دستور جديد.
وفى هذا الحوار، يفتح الدكتور صلاح الدين فوزي، أستاذ القانون الدستورى وعضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، عددًا من الملفات الدستورية والفقهية الشائكة؛ بدءًا من فلسفة كتابة الدساتير وحجمها، مرورًا بتجارب الجمهوريات المتعاقبة فى مصر وفرنسا، وصولًا إلى توزيع الاختصاصات بين البرلمان والحكومة، والمواد التى يرى أنها تحتاج إلى مراجعة، فضلًا عن رؤيته للرقابة على دستورية القوانين والأداء البرلمانى واستخدام الأدوات الرقابية.
ويطرح فوزى خلال الحوار رؤية خاصة تقول إن الدستور، باعتباره قاعدة اجتماعية، يجب أن يكون قادرًا على مواكبة المتغيرات التى تطرأ على الدولة والمجتمع، معتبرًا أن تغير «هيئة الناخبين» منذ إقرار دستور 2014 يمثل أحد الأسئلة التى تستحق التوقف أمامها. وإلى نص الحوار:
يثار فى الفقه الدستورى الحديث جدل حول حجم الوثائق الدستورية ومدى تفصيلها.. كيف ترى الاتجاه العالمى فى إعداد الدساتير مقارنة بالوضع المصري؟
المسائل المتعلقة بتصميم الدساتير وتوزيع الاختصاصات تمثل ركيزة أساسية فى الأنظمة الدستورية المقارنة، والاتجاه الأكاديمى والعالمى الحديث يميل بوضوح إلى إعداد وثائق دستورية موجزة ومختصرة، تقتصر على المبادئ العامة وتنظيم السلطات الأساسية، بما يمنح البيئة التشريعية قدرًا أكبر من الاستقرار والمرونة.
وبالنظر إلى أبرز الدساتير حول العالم، نجد أرقامًا لافتة؛ فالدستور الأمريكى يتكون من 7 مواد رئيسية فقط، بالإضافة إلى 27 تعديلًا على مدار تاريخه، بينما يتكون الدستور الفرنسى من 89 مادة، والألمانى من 145 مادة، والإيطالى من 139 مادة، والإسبانى من 169 مادة.
وفى العالم العربي، يتكون دستور الإمارات من 152 مادة، والأردن من 131 مادة، وتونس من 142 مادة، والمغرب من 180 مادة، والكويت من 183 مادة، بينما يتكون الدستور المصرى الحالى من 254 مادة.
هل ترى أن كثرة مواد الدستور تمثل مشكلة فى حد ذاتها؟
أرى أن هذا الازدحام بالتفاصيل، وإقحام مسائل فئوية أو مهنية مكانها الطبيعى القوانين واللوائح، وهذه الإيجازات نجدها حتى فى الدول الفيدرالية، مثل الولايات المتحدة والإمارات، حيث يتوزع الاختصاص بين الاتحاد والولايات أو الإمارات، ومع ذلك ظلت وثائقها الدستورية موجزة ومحكمة.
ترتبط نشأة الدساتير عادة بالتحولات السياسية والتاريخية الكبرى.. كيف تقرأ المسار التاريخى للجمهوريات المتعاقبة فى مصر وفرنسا؟ وهل الدساتير الجديدة تلازم الجمهوريات الجديدة بالضرورة؟
الإجابة بالإيجاب طبعًا، وعادة ما تشهد الجمهوريات الجديدة دساتير جديدة تدعم انطلاقتها. ولنا فى التجربة الفرنسية النموذج الأبرز، حيث شهدت فرنسا خمس جمهوريات متتالية.
الجمهورية الأولى بدأت عام 1792 واستمرت حتى 1804، وشهدت تحولات وتقلبات متعددة. أما الجمهورية الثانية فبدأت عام 1848 وانتهت سريعًا عام 1851، وجاءت الجمهورية الثالثة عام 1870، وأقيمت على أساس مجموعة من القوانين الدستورية، من بينها قانون 24 فبراير 1875 الخاص بمجلس الشيوخ، وقانون 16 يوليو 1875 المنظم للعلاقة بين السلطات، واستمرت حتى سقوطها عام 1940 ثم جاءت الجمهورية الرابعة عام 1946، وتميزت بتفوق البرلمان، وهو ما أدى إلى غياب الاستقرار الوزاري، وانتهت بأزمة سياسية شلت الدولة.
أما الجمهورية الخامسة فبدأت عام 1958 وما زالت قائمة حتى الآن، حيث كُلفت الحكومة بإعداد مشروع دستور جديد فى عهد الجنرال ديجول، وكُلف الفقيه الدستورى ووزير العدل آنذاك ميشيل دوبريه، إلى جانب لجنة من الخبراء، بإعداد مشروع أحدث توازنًا بين السلطات وصنع نقلة نوعية فى النظام الدستورى الفرنسي.
وماذا عن مصر؟ كيف تقسم الجمهوريات المصرية من منظور فقهى دستوري؟
رؤيتى الفقهية لتقسيم الجمهوريات فى مصر تأتى على النحو التالي: الجمهورية الأولى: بدأت عقب إعلان قيام الجمهورية بعد ثورة 1952، وتخللتها إعلانات دستورية ودساتير مؤقتة.
الجمهورية الثانية: بدأت عام 1971 مع صدور «الدستور الدائم»، وكلمة «الدائم» هنا لم تكن تعنى أنه أبدى ولا يتغير، وإنما جاءت تمييزًا له عما سبقه من إعلانات ودساتير مؤقتة. وكان دستورًا منضبطًا نظم العلاقة بين السلطات حتى أحداث 2011.
الجمهورية الثالثة: أراها بدأت عقب أحداث يناير 2011 والإعلانات الدستورية المتعاقبة، وتنقسم فقهيًا إلى مرحلتين.
الأولى تمتد من إقرار دستور 2014 حتى ظهور الملامح الشاملة للتنمية. والثانية هى مرحلة «الجمهورية الجديدة» الحقيقية، التى بدأت ملامحها تظهر بقوة منذ عدة سنوات فى مجالات التنمية والاقتصاد والتشريع.
بناءً على هذا التقسيم الفقهي.. هل ترى حاجة إلى دستور جديد يواكب المرحلة الثانية من «الجمهورية الثالثة»؟ وما المبرر الأكاديمى لذلك؟
أنا، وأنا مطمئن أكاديميًا وعلميًا، أقول إن الإجابة عندى بالإيجاب، والسبب فى ذلك يعود إلى ركيزتين فقهيتين أساسيتين.
أولًا: ضرورة مواكبة المتغيرات. فالقاعدة القانونية فى أساسها، سواء كانت دستورًا أو قانونًا أو لائحة، هى «قاعدة اجتماعية»، ووظيفتها مواجهة المتطلبات المجتمعية والظروف المستجدة، ومن ثم فإن الدساتير لا بد أن تتسق مع حركية الدولة.
ثانيًا: تغير هيئة الناخبين أو «الجسم الانتخابي».
الدستور الحالى أُقر فى استفتاء عام فى 2014، واليوم، وبعد مرور أكثر من 12 عامًا، يتوجب علينا أن نسأل: هل هيئة الناخبين هى نفسها؟
بالتأكيد لا؛ فالأطفال الذين كانوا فى الخامسة أو السادسة أو السابعة أو الثامنة من أعمارهم عام 2014 أصبحوا اليوم شبابًا بلغوا سن المشاركة السياسية والانضمام إلى الجسم الانتخابي.
وهنا تحكمنا القاعدة الفقهية والدستورية الذهبية: «لا ينبغى لجيل أن يفرض إرادته على الأجيال القادمة».
وهل يمكن أن تصبح بعض القيود الدستورية عقبة أمام إعادة صياغة الوثيقة؟
حتى إن كانت هناك نصوص تحظر تعديل بعض الأحكام فى بعض الدساتير، كحظر تعديل المادة المتعلقة بكون «الإسلام دين الدولة» فى بعض الدساتير العربية، وهو حظر مقبول ويحظى بالتوافق، فإن الحظر الموضوعى أو المؤقت قد يُطاح به عمليًا أمام الإرادة الشعبية إذا اقتضت الظروف.
وأبرز مثال على ذلك دستور 1930 المصري، إذ تضمن نصًا يحظر تنقيح أى مادة منه إلا بعد مرور 10 سنوات، لكن بعد 5 سنوات فقط أُطيح بالدستور كاملًا، لأن الإرادة الشعبية لم تعد تريده.
بالحديث عن توزيع الاختصاص التشريعى بين البرلمان والحكومة.. أى التجربتين أقرب إلى رؤيتكم الأكاديمية؟
ينقسم الفقه الدستورى فى توزيع الاختصاصات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى اتجاهين رئيسيين.
الاتجاه الأول: «السلطة التشريعية المفتوحة».
حيث يمنح البرلمان اختصاصًا عامًا وشاملًا، وهو المنهج المتبع فى المادة 101 من الدستور المصري، التى تقر بحق مجلس النواب فى تولى سلطة التشريع والرقابة وإقرار الخطة العامة، شريطة عدم مخالفة الدستور.
الاتجاه الثاني: «الاختصاص التشريعى الحصرى والمحدد». وهو المنهج الفقهى المقارن الذى أسسه الفقيه الفرنسى ميشيل دوبريه فى دستور 1958، «دستور الجمهورية الخامسة»، وأنا أميل إليه فقهيًا وبشدة.
فى النموذج الفرنسي، حُدد اختصاص البرلمان فى التشريع على سبيل الحصر بموجب المادة 34 فى مجالات بعينها، كالحقوق المدنية والضمانات الأساسية للحريات، والجنسية، والأهلية، والجنايات والعقوبات، ونظام الضرائب والنقود، والنظم الانتخابية، والموازنة والتخطيط.
وفى المقابل، جاءت المادة 37 من الدستور الفرنسى بقاعدة جوهرية مفادها أن كل المسائل التى لا تدخل فى نطاق اختصاص القانون الحصرى تخضع مباشرة للوائح، وبذلك أصبحت «اللائحة» الصادرة عن الحكومة هى الأصل، بينما أصبح «التشريع بقانون» الصادر عن البرلمان هو الاستثناء المحدد.
لكن ألا يقلل هذا المنهج من الدور التشريعى لأعضاء البرلمان لصالح الحكومة؟
إطلاقًا، فهذه هى طبيعة الأشياء عالميًا، والتجربة البرلمانية المقارنة تثبت أن ما بين 90% و95% من القوانين النافذة فى مختلف دول العالم هى فى الأصل مشروعات قوانين مقدمة من الحكومات، وليست مقترحات قوانين مقدمة من أعضاء البرلمان.
وعلى سبيل المثال، كانت جميع القوانين التى أقرها البرلمان المصرى فى دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعى الحالى مقدمة من الحكومة، باستثناء حالة واحدة فقط، هى مشروع القانون الذى قدمه النائب هشام الحصرى لتعديل قانون الإجراءات الجنائية.
والسبب فى ذلك يعود إلى أمور فنية وتقنية بحتة، فالحكومة تمتلك «المطبخ التنفيذي»، والإدارات والمستشارين المتخصصين، والأدوات الفنية الدقيقة اللازمة لصياغة قواعد قانونية عامة ومجردة ومصاغة بإحكام شديد.
أما النائب البرلماني، فيغلب على عمله وطبيعة أدائه التقدير والبُعد السياسي، بحكم صفته التمثيلية، بينما تتطلب الصياغة التشريعية توازنًا حذرًا وإحكامًا فنيًا بالغ الدقة.
هل هناك نصوص محددة فى دستورنا الحالى ترون أنها تحتاج إلى مراجعة ووقفة فقهية لعدم ملاءمتها للواقع العملى والاستثماري؟
بالقطع نعم. هناك مواد مكانها الطبيعى القوانين أو اللوائح وليس الدستور، وتتطلب وقفة ومراجعة عملية.
مثل ماذا؟
مثل شرط السن للترشح للمجالس النيابية والمحلية، فالدستور يشترط ألا يقل سن عضو مجلس الشيوخ عن 35 سنة، وعضو مجلس النواب عن 25 سنة، وعضو المجالس المحلية عن 21 سنة.
وهل ترى أن هذه الأعمار تحتاج إلى إعادة نظر؟
شاب فى عمر 21 سنة ما زال فى السنة الثالثة أو الرابعة بالجامعة، فكيف يصبح عضوًا فى مجلس محلى المحافظة ويمارس أدوات رقابية معقدة تجاه المحافظ والقيادات التنفيذية؟ الأمر يحتاج إلى مراجعة لتحديد أعمار تعكس قدرًا مناسبًا من الخبرة العملية.
وماذا عن عقود الامتياز؟
كذلك المادة 32 الخاصة بعقود الامتياز، أراها من أصعب المواد دستوريًا وأكثرها إضرارًا بالبيئة الاستثمارية، إذ تنص على أن منح عقود امتياز استغلال موارد الثروة الطبيعية يجب أن يكون بقانون وبمدة لا تتجاوز 30 سنة.
وهنا أطرح سؤالًا عمليًا للمتخصصين: إذا تم التعاقد مع شركة عالمية للتنقيب عن البترول فى البحر الإقليمى بموجب اتفاقية «استكشاف ومشاركة فى الإنتاج»، وضخت الشركة 20 مليار دولار، ثم بدأت بعد 15 سنة فى إنتاج غير اقتصادي، ولم تبدأ فى الإنتاج الاقتصادى إلا بعد 20 سنة، فكيف ستسترد الشركة استثماراتها المليارية وتشارك الأرباح إذا كانت مدة العقد محددة دستوريًا بـ30 سنة فقط؟
لذلك أرى أن هذه المدة يستحيل أن تكفى عمليًا، وستنعكس سلبًا على العملية التعاقدية وجذب الاستثمارات شديدة الضخامة، علمًا بأن القانون المدنى وضع حدًا أقصى لعقد الامتياز يصل إلى 99 سنة، لذا يجب النظر إلى واقعية هذه الأمور.
بصفتك كنت عضوًا فى لجنة خبراء دستور 2014، هل كانت هذه رؤيتكم أثناء إعداد الدستور؟
بالطبع، كنت ضمن خبراء دستور 2014، وما زلت أقول إن هذا الدستور كان أفضل وثيقة ممكنة بالنظر إلى الظرف السياسى والوطنى العصيب الذى صدر فيه، لكن قواعد القانون تتطور بتطور الظروف.
وسأضرب مثالًا على ذلك: حينما كنت فى أحد اجتماعات لجنة الخبراء، وضعت قلمى على المنضدة وقلت للمستشار على عوض، الذى كان مقررًا للجنة ونائبًا لرئيسها، إن حريتى مقيدة، بسبب المظاهرات والأصوات التى كانت تطالب بإسقاط لجنة الخبراء العشرة.
ما رؤيتكم الفقهية لديباجة الدستور، وما القيمة القانونية والملزمة لبنودها؟
الديباجة، أو ما يطلق عليها فى بعض الدول العربية «التوطئة»، تتباين فى حجمها.
فدستور 2014 المصرى يتضمن ديباجة طويلة جدًا أعدها الشاعر سيد حجاب، بينما تتضمن دساتير أخرى ديباجات قصيرة، وبعض الدساتير تبدأ فورًا بالمادة الأولى دون ديباجة.
وهنا أذكر أننى كنت قد كُلفت من قبل لجنة العشرة بكتابة الديباجة، وكتبت ديباجة قصيرة تتضمن أحكامًا موضوعية، وأرى أن قيمتها الدستورية تعادل النصوص الدستورية التى يحتويها الدستور.
وكانت تنص على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، واعتبار سيادة القانون أساسًا وركيزة لحرية المواطنين ومشروعية السلطة، وألا تُخل تشريعات الدولة بالحقوق والحريات التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية.
كما تضمنت اعتبار الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن كافة هدفًا أساسيًا للحاكم والمحكوم على السواء، وركيزة لبناء الدولة المصرية الحديثة وانطلاقها نحو التقدم والرقي، تحميها قيم التسامح والاعتدال والوسطية، ومن ركائزها إنجاز الآخر بالشراكة.
وأكدت كذلك تحقيق الأمن والأمان لجميع المواطنين، وأن الدفاع عن الوطن شرف وواجب، وأن القوات المسلحة درع البلاد الواقي، تحمى حدود الدولة وتذود عن أمنها القومي، إلى جانب الإيمان بالعدل وحرية التعبير وتفاعل الآراء المتولدة عنها علنًا، والتأكيد على العلم والعمل كقيمتين تمتازان بسمو الغاية، والإيمان بالوحدة العربية هدفًا وغاية لشعوبنا، وكذلك الإيمان بأهمية العيش فى بيئة صحية سليمة.
لكن حينما عُرضت على لجنة الخمسين، كُلف الشاعر سيد حجاب بإعداد ديباجة أخرى.
فى ملف الرقابة على دستورية القوانين.. هل تفضلون نظام الرقابة السابقة أم الرقابة اللاحقة المتبع حاليًا؟
أنا ضد الرقابة السابقة جملة وتفصيلًا، لأنها رقابة مكتبية صماء، تنظر إلى النص من خلال الأوراق دون أن ترى آثاره فى الواقع العملى والتطبيقي، بينما الرقابة اللاحقة هى رقابة واقعية ومفيدة للغاية، ونظام الرقابة اللاحقة لدينا يعمل عبر ثلاثة طرق غير مباشرة:
أولًا: الدفع بعدم الدستورية، حيث يُبدى الدفع أمام محكمة الموضوع، وإذا ثبتت المحكمة من جديته، تأذن للمدعى برفع الدعوى الدستورية.
ثانيًا: الإحالة من محكمة الموضوع، حيث إذا تشككت المحكمة ذاتها فى وجود شبهة عدم دستورية فى نص قانوني، تعرض الأمر على المحكمة الدستورية.
ثالثًا: التصدى الذاتي، وذلك من قبل المحكمة الدستورية العليا إذا تبين لها، أثناء نظر دعوى معينة، عدم دستورية نص آخر مرتبط بها.
أما عن الطريق المباشر الوحيد المتاح حاليًا، فهو التعديل الأخير الذى أُدخل على قانون المحكمة الدستورية العليا، وسمح لرئيس مجلس الوزراء بتقديم طعن مباشر لبحث دستورية القرارات والأحكام الصادرة عن هيئات أو جهات أجنبية أو منظمات دولية، وحتى الآن، ومنذ صدور هذا التعديل، لم نشهد تطبيقًا أو طعنًا تقدم به رئيس مجلس الوزراء بموجب هذا الحق المباشر.
ألا تخشون من ردود الأفعال أو الأصوات المعارضة لفكرة تعديل الدستور أو وضع دستور جديد؟
هذه طبيعة الحركة السياسية وثقافات الشعوب عبر التاريخ، والفقيه الدستورى لا ينبغى أن يتهيب الطرح العلمي.
يذكر التاريخ ميشيل دوبريه، أستاذ القانون الدستورى ووزير العدل الفرنسى وصانع دستور 1958، الذى هوجم بشراسة فى الصحافة والإعلام الفرنسى آنذاك.
وفى مصر، دستور 1923، الذى نجمع جميعًا اليوم على أنه كان من أعظم الدساتير التاريخية، أُطلق على اللجنة التى صاغته وقتها «لجنة الأشقياء».
وعلى الرغم من أن حزب الوفد قاطعها فى البداية، ثم خاض الانتخابات بناء عليها وفاز، ظل هذا الوصف ملاحقًا لها. بل حتى فى تجربتى الشخصية فى العمل الدستوري، كنت أذهب إلى المدرج الجامعى لأجد مكتوبًا على الباب باللون الأسود: «يسقط لجنة الكفار العشرة»، فالمسألة ترتبط أحيانًا بتباين الثقافات والانفعالات السياسية، والمهم أن يسير المفكر والفقيه الدستورى خلف الدليل العلمي، والتأصيل الفقهى المقارن، والمصلحة العليا للوطن، دون خوف أو تردد.
كيف ترون واقع الممارسة البرلمانية تحت القبة، سواء فيما يتعلق بدور مجلس الشيوخ أو استخدام الأدوات الرقابية من جانب النواب؟
فيما يتعلق بمجلس الشيوخ، كنت وما زلت أنادى -منذ مناقشات التعديلات الدستورية عام 2019- بضرورة تعظيم وتوسيع اختصاصات مجلس الشيوخ بأكثر مما هو متاح حاليًا فعلى الرغم من أن رأيه استشاري، فإن الآراء والدراسات التى يصدرها المجلس هى دراسات رفيعة المستوى، صادرة عن بيت خبرة و«بنك حكماء»، وتوسيع صلاحياته يخدم العقل التشريعى للدولة.
وماذا عن استخدام النواب للأدوات الرقابية؟
أما فيما يخص الأدوات الرقابية، فأنا مع وجودها ودعمها باعتبارها حقًا أصيلًا للبرلمان، ولكنى أحذر وأستدعى دائمًا نظرية «التعسف فى استخدام الحق» أو «إساءة استخدام الحق»، فلا يجوز للنائب أن يدخل تحت القبة وهو يضع فى جيبه الأيمن 20 سؤالًا، وفى جيبه الأيسر 5 استجوابات، وجيوبه الداخلية مليئة بعدد لا حصر له من طلبات الإحاطة.
أدوات الرقابة أسلحة دستورية جليلة، تُستدعى فقط إذا توافر مقتضى واقعى وموضوعى لها، وليس لمجرد الاستخدام الشعبوى أو «عمال على بطال»، ومن هنا تأتى أهمية تفعيل معهد التدريب البرلمانى بمجلس النواب، لرفع الكفاءة والوعى التشريعى والرقابى لدى الأعضاء.
نقلا عن العدد الورقي
