رئيس التحرير
عصام كامل

The Odyssey.. اسم آخر للتيه

18 حجم الخط

تمثل الأساطير الإغريقية بحرا من الإلهام لكثير من السينمائيين، لكنها تشكل تحديا حقيقيا عند تناولها، فالإفراط في الخرافة يفقدها بعدها الإنساني، بينما تجريدها من أسطوريتها يسلبها روحها الحقيقية. أما في The Odyssey، فينجح كريستوفر نولان في تجاوز هذه المعضلة، مقدما الأسطورة كرحلة نفسية وأخلاقية أكثر منها حكاية عن الآلهة والوحوش. ويترك المشاهد أمام سؤال دائم: هل ما يراه على الشاشة أحداث خارقة بالفعل، أم انعكاس لضمير بطل يطارده الذنب؟


يؤسس الفيلم منذ بدايته لفكرة الخطيئة الأولى التي ستحدد مصير أوديسيوس. فخدعة حصان طروادة، وما تبعها من مذبحة لأهل المدينة، وانتهاك قدسية أثينا بتحطيم تمثالها، ليست مجرد وقائع حرب، بل إعلان صريح لتحدي قوانين الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية. ومن هنا يصبح غضب الآلهة نتيجة منطقية لغرور الإنسان الذي يتجاوز حدوده، وليس انتقاما عبثيا.


وتظهر براعة نولان في إعادة تفسير الشخصيات الأسطورية بمنطق واقعي. فسيرسي لا تظهر باعتبارها إلهة للإغواء الجسدي، بل تفهم الطبيعة البشرية، فتخاطب غريزة الجوع لدى محاربين أنهكتهم الحرب. ويأتي تحولهم إلى خنازير رمزا لعودتهم إلى أصلهم الوحشي بعد المجازر التي ارتكبوها في طروادة، قبل أن ينجح أوديسيوس في إقناعها بإعادتهم إلى طبيعتهم الإنسانية.


كما يمنح الفيلم الآلهة بعدا إنسانيا. فسيرسي لا تكتفي بالعقاب، بل ترشد البطل إلى ما ينتظره، بينما تتحول كاليبسو إلى شخصية رومانسية تمنحه النسيان عبر زهرة اللوتس، ثم تساعده على استعادة ذاكرته بعدما تدرك أن حب الوطن والزوجة والابن أعمق لديه من أي سحر. وهنا نرى أن الآلهة اقتربت من شخصيات تتأرجح بين الحب والرحمة والعقاب، وليست قوى خارقة تتحدى الإنسان.


ولا يتوقف التحدي عند هذا الحد، ففقء أوديسيوس عين ابن بوسيدون "العملاق الأعور"، وأكل جنوده من ماشية أبولو المقدسة، يكشفان أن الغرور لم يفارق البطل، وأن كل انتصار يتبعه عقاب جديد. وحتى في مواجهة السيرينيات، يحتفظ بجزء من ثقته المفرطة بنفسه، ليؤكد نولان أن الحكمة لا تعني غياب الخطأ، بل التعلم التدريجي من نتائجه.


دراميا، يعتمد الفيلم على السرد غير الخطي، وهو اختيار ينسجم مع طبيعة الملحمة ويمنحها بعدا نفسيا أعمق. فالماضي يتداخل مع الحاضر باستمرار، وكأن الرحلة الحقيقية تدور داخل ذاكرة أوديسيوس كما تدور فوق أمواج البحر، وهو ما يخلق إيقاعا متوازنا بين لحظات التأمل والانفجار الدرامي، دون أن يفقد الفيلم توتره أو تشويقه.


ويبلغ نضج البطل ذروته عند عودته إلى إيثاكا، فيستبدل الاندفاع بالحكمة، ويختار التخفي لكشف خصومه قبل استعادة عرشه. وحتى قتله لخطاب زوجته يبدو مبررا دراميا، بعدما يكتشف نواياهم في اغتصاب السلطة والتخلص من ابنه، ليتحول العنف إلى دفاع عن الشرعية، وليس انتقاما لمجرد الانتقام.


بصريا، يقدم نولان واحدة من أجمل صوره السينمائية. فقد اعتمد على اللقطات الواسعة للبحار والجبال والطبيعة المفتوحة، فجعلها شريكا دراميا يعكس الحالة النفسية للبطل وصراعاته وتحولاته الداخلية، بينما جاءت حركة الكاميرا هادئة ودقيقة، تمنح المشاهد فرصة للتأمل، مع اعتماد واضح على الإضاءة الطبيعية التي أضفت على العالم الأسطوري ملمسا واقعيا، وكأن الأحداث يمكن أن تقع في عالمنا، لا في عالم الخيال.


وعلى المستوى السمعي، يراهن الفيلم على المؤثرات الصوتية، أكثر من اعتماده على الموسيقى التصويرية التقليدية. فهدير الأمواج، وصفير الرياح، وأصوات العواصف، وصمت البحر في لحظات التأمل، تتحول جميعها إلى أدوات سردية توازي الصورة في التعبير عن صراع البطل ومواجهاته مع قوى الطبيعة.


ويقدم مات ديمون أداء ناضجا في دور أودسيوس، نجح من خلاله في تجسيد التحولات النفسية للشخصية، من قائد مغرور يتحدى الآلهة إلى إنسان أنهكته الرحلة، حتى يصل إلى إدراك أن الانتصار الحقيقي ليس على الآلهة، بل على نفسه.


يعد الفيلم في جوهره إحياء بنية التراجيديا الإغريقية الكلاسيكية، فالبطل يرتكب خطيئة الغرور، ثم يخوض سلسلة من المحن التي تقوده إلى التطهير، قبل أن يدفع ثمن أفعاله حتى بعد استعادة وطنه. وفي الوقت نفسه يقترب من مفهوم "رحلة البطل"، حيث تبدأ الرحلة بانتصار ظاهري، ثم تنقلب إلى اختبار داخلي ينتهي بولادة إنسان أكثر حكمة. 

وهكذا لا يقدم نولان فيلما عن الأسطورة بقدر ما يقدم تأملا عميقا في الإنسان، مؤكدا أن أعظم المعارك ليست مع الآلهة، بل مع غرور الإنسان وضعفه.

الجريدة الرسمية