رئيس التحرير
عصام كامل

الخطة الخمسية تعاقب المتفوقين

18 حجم الخط

التخطيط ضرورة، لكن الجمود ليس تخطيطا.. الخطة الخمسية وضعت لتحديد احتياجات الأقسام من أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، وهذا أمر ضروري حتى لا تتحول الجامعات إلى جهات تعيين بلا احتياج فعلي، لكن الخطط بطبيعتها تقوم على تقديرات واحتياجات يمكن أن تتغير بمرور الوقت، ولذلك يجب أن تظل هناك مساحة للمراجعة والتعامل مع الحالات التي تستحق إعادة النظر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بخريجة أثبتت قدرتها العلمية وتفوقها طوال سنوات الدراسة.

المشكلة هنا ليست في مطالبة الجامعة بتعيين معيد دون احتياج، وإنما في غياب البدائل،  إذا لم يكن هناك احتياج في تخصصها، فمن الممكن بحث الاستفادة منها في تخصص قريب، أو في أحد المراكز والوحدات البحثية، أو من خلال مسار أكاديمي وبحثي يتناسب مع تفوقها، وفقا لما تسمح به اللوائح، أما أن تكون النتيجة الوحيدة هي عدم التعيين، فهذا يعني أن الجامعة استفادت من سنوات تعليمها وتفوقها، ثم تركتها تبحث وحدها عن فرصة خارج المؤسسة.

 

لماذا لا يعرف الطالب الحقيقة قبل التخرج؟

الأمر يحتاج أيضا إلى قدر أكبر من الشفافية، إذا كانت بعض التخصصات لا تتضمن احتياجات لتعيين معيدين، فمن حق الطلاب أن يعرفوا ذلك بوضوح، حتى لا يصبح التفوق بالنسبة لهم وعدا غير معلن بالعمل الأكاديمي، ثم يكتشفون بعد التخرج أن القرار مرتبط في الأساس باحتياجات تم تحديدها قبل سنوات.

ليس المطلوب أن تقول الجامعة للطلاب إن التفوق يضمن التعيين، فهذا غير صحيح، لكن المطلوب أن تكون قواعد اللعبة واضحة منذ البداية، فالطالب الذي يبذل سنوات من عمره للوصول إلى المركز الأول يجب أن يعرف أن ترتيبه العلمي عنصر من عناصر المفاضلة وليس ضمانا لوظيفة، وأن الاحتياج الفعلي يظل عاملا حاسما.

 

الجامعة مطالبة بحماية استثمارها في المتفوقين

الجامعات لا تستثمر فقط في المباني والمعامل والمناهج، وإنما تستثمر أيضا في الإنسان، والخريجة التي تصل إلى المركز الأول هي نتاج سنوات من التعليم والتدريب والبحث، ولذلك فإن خسارة هذه الكفاءة بسبب عدم وجود وظيفة في جدول محدد تعني أن منظومة التعليم لم تستطع تحويل التفوق إلى قيمة مستمرة.

جامعة بنها أكدت في بيان رسمي احترامها للمتفوقين ودعمها لهم، وهذه رسالة جيدة، لكن الدعم الحقيقي لا يجب أن يتوقف عند التكريم أو الإشادة في البيانات، فالمطلوب هو وجود مسارات واضحة تسمح للمتفوقين بالاستمرار في المجال الأكاديمي والبحثي حتى عندما لا تتوافر وظيفة معيد في تخصصهم في اللحظة نفسها.

 

لا نريد استثناءات.. نريد قواعد أكثر مرونة

لا أحد يطالب بتجاوز اللوائح أو منح وظيفة لا يوجد لها احتياج، لكن المطلوب أن تكون اللوائح نفسها قادرة على التعامل مع الكفاءات، ويمكن أن تعلن الجامعة بوضوح أن هذا التخصص لن يشهد تعيينات خلال فترة معينة، ويمكن في المقابل أن تضع مسارات بديلة للمتفوقين، سواء في البحث العلمي أو الدراسات العليا أو التخصصات القريبة، وفقا للقواعد المنظمة.

والأهم أن تعلن الجامعة مسبقا التخصصات التي لا توجد بها احتياجات للتعيين، حتى يعرف الطلاب حقيقة المسار الذي يختارونه، ولا يكتشف المتفوق بعد سنوات أن المركز الأول لم يكن كافيا للحصول على فرصة أكاديمية.

في رأيي قد يكون عدم تعيين الأولى على الدفعة صحيحا من الناحية الإجرائية، لكن الإجراء وحده لا يكفي، والخطة الخمسية يجب أن تخدم الجامعة لا أن تتحول إلى قيد دائم عليها، واللوائح يجب أن تحمي العدالة لا أن تجعل التفوق بلا قيمة عملية.

فإذا لم يكن هناك احتياج في تخصصها، يمكن البحث عن تخصص آخر يناسب قدراتها، أو فرصة بحثية أو أكاديمية تستفيد من تفوقها، أو إعلان واضح بأن التخصص لن يشهد تعيينات خلال الفترة المقبلة، أما أن ينتهي الأمر عند عبارة "غير مدرج في الخطة"، فهذه إجابة إدارية قد تكون صحيحة، لكنها لا تعكس بالضرورة أفضل ما يمكن أن تقدمه الجامعة لخريجة صنعت المركز الأول بجهدها وتفوقها.

الجريدة الرسمية