أحمد رأفت يكتب: خالد عبد الغفار «الوزير المزدوج».. إنفاق مليارات من خزينة الدولة.. وأسعار يحددها القطاع الخاص.. وفاتورة يدفعها المواطن
من التأمين الصحي الشامل إلى العلاج على نفقة الدولة، ومن مليارات الإنفاق الحكومي إلى التوسع في الشراكة مع القطاع الخاص.. سياسات متعددة يدير بها الدكتور خالد عبد الغفار وزارة الصحة، لكن المواطن لا يزال يتحرك داخل منظومة علاجية متشعبة، تتفاوت فيها طرق الحصول على الخدمة وتكلفتها من مسار إلى آخر.
دخلت وزارة الصحة خلال السنوات الأخيرة مرحلة إعادة تشكيل واسعة للقطاع الصحي، كان التأمين الصحي الشامل عنوانها الرئيسي، بالتوازي مع استمرار العلاج على نفقة الدولة وتطوير المستشفيات الحكومية والتوسع في جذب الاستثمارات الخاصة.
ومع إدارة خالد عبد الغفار وزير الصحة لهذا الملف، اتسعت مساحة الدولة في التمويل والإنفاق، وفي الوقت نفسه اتسعت مساحة القطاع الخاص في التشغيل والاستثمار، فأصبحت المنظومة الصحية تجمع بين نموذج حكومي يمول العلاج ويقدم الخدمة، ونموذج تأميني جديد، وسوق خاص مفتوح في جزء كبير منه أمام تفاوت الأسعار.
المشكلة في هذا النموذج لا تكمن في تعدد أدوات تقديم الخدمة في حد ذاته، وإنما في أن الانتقال بين هذه الأدوات لم يكتمل، بينما ظل المواطن يتحمل تبعات هذا الانتقال، سواء من خلال إجراءات مختلفة للحصول على العلاج، أو تفاوت واضح في مستوى الخدمة، أو تكلفة مرتفعة عندما يضطر إلى الخروج من المسارات الحكومية والتأمينية.
التأمين الصحي الشامل.. المشروع الكبير المؤجل
وضعت وزارة الصحة التأمين الصحي الشامل باعتباره المشروع الأساسي لإعادة بناء النظام الصحي، وبلغ عدد المنتفعين بالمرحلة الأولى نحو 18 مليون مواطن، فيما تستعد الدولة للتوسع في المرحلة الثانية التي تضم محافظات جديدة بعد رفع كفاءة المنشآت الصحية وتجهيزها.
ورغم أهمية المشروع، فإن اكتماله على مستوى الجمهورية ما زال يحتاج إلى سنوات، وهو ما أبقى ملايين المواطنين خارج مظلته المباشرة، ودفع الدولة إلى الاستمرار في تشغيل وتمويل أنظمة أخرى بالتوازي، وبذلك لم يصبح التأمين الشامل حتى الآن بديلًا كاملًا عن المنظومات السابقة، وإنما أضيف إلى منظومة قائمة بالفعل، فأصبح المواطن المصري يحصل على الخدمة وفق أكثر من نظام تبعًا لمحل إقامته ووضعه التأميني وطبيعة العلاج الذي يحتاج إليه.
هذا الوضع الانتقالي يضعف ميزة أساسية يفترض أن يوفرها أي نظام صحي شامل، وهي وضوح طريق الحصول على الخدمة، فبدلًا من الانتقال السريع إلى منظومة موحدة، أصبح الإصلاح نفسه ممتدًا لسنوات، بينما تستمر الدولة في تمويل منظومات موازية لتغطية الاحتياجات التي لا يصل إليها النظام الجديد.
25 مليار جنيه.. نفقة الدولة ما زالت حاضرة بقوة
في الوقت الذي تتوسع فيه الدولة في التأمين الصحي الشامل، استمرت فاتورة العلاج على نفقة الدولة في الارتفاع، وخلال الفترة من يناير إلى نهاية أغسطس 2026، بلغت تكلفة العلاج على نفقة الدولة نحو 25.235 مليار جنيه، استفاد منها أكثر من 2.62 مليون مريض، مع إصدار نحو 2.96 مليون قرار علاجي.
هذه الأرقام تكشف أن نفقة الدولة ليست هامشًا مؤقتًا في منظومة الصحة، وإنما ما زالت مكونًا رئيسيًا من مكونات الإنفاق على علاج المصريين، ومع استمرار التوسع في التأمين الشامل، تجد الدولة نفسها مطالبة في الوقت نفسه بتمويل مسارين كبيرين، أحدهما نظام تأميني يجري بناؤه تدريجيًا، والآخر نظام علاج مباشر تتحمل الموازنة العامة تكلفته لملايين المرضى.
إطلاق دليل موحد لإجراءات العلاج على نفقة الدولة يمثل محاولة لتحسين إدارة هذا المسار، لكنه لا يغير حقيقة أن الدولة لا تزال تنفق عشرات المليارات على منظومة يفترض أن يتراجع الاعتماد عليها تدريجيًا مع اكتمال التأمين الصحي الشامل، وكلما طال أمد الانتقال، استمر الضغط المالي على الدولة، واستمر المواطن في التعامل مع أكثر من بوابة للحصول على العلاج.
كشف بـ1000 جنيه.. والسوق خارج قبضة الوزارة
تظهر الفجوة بصورة أكثر وضوحًا في القطاع الخاص، الذي يلجأ إليه المواطن عندما لا يجد الخدمة المناسبة أو يريد الوصول إلى طبيب بعينه في وقت أسرع.
في يونيو 2026، أكد خالد عبدالغفار أن وزارة الصحة لا تضع تسعيرة موحدة للكشف في العيادات الخاصة، وأن دورها يبدأ عند تلقي الشكاوى، بالتزامن مع جدل واسع حول وصول سعر الكشف في بعض العيادات إلى نحو 1000 جنيه.
هذه السياسة تضع المواطن أمام واقع مختلف عن الخطاب الخاص بتوسيع الحماية الصحية؛ فالمواطن الذي يدخل منظومة التأمين يحصل على الخدمة وفق قواعدها، بينما المواطن الذي يخرج منها يجد نفسه في سوق تختلف فيه أسعار الكشف بصورة كبيرة، وقد تصبح تكلفة الزيارة الأولى وحدها عائقًا أمام الحصول على العلاج.
إبلاغ المريض بسعر الكشف قبل حصوله على الخدمة يمثل قدرًا من الشفافية، لكنه لا يعالج مشكلة القدرة على تحمل التكلفة، فالمريض لا يختار الذهاب إلى الطبيب باعتباره مستهلكًا عاديًا يستطيع تأجيل الخدمة عندما يرتفع سعرها، وإنما يلجأ إليها لأنه يحتاج إلى تشخيص أو علاج، وهو ما يجعل ارتفاع الأسعار في القطاع الطبي أكثر حساسية من ارتفاع أسعار السلع والخدمات العادية.
القطاع الخاص.. شراكة تتوسع والدولة تعيد تعريف دورها
في المقابل، تمضي وزارة الصحة في توسيع دور القطاع الخاص داخل المنظومة، سواء من خلال تشغيل وإدارة بعض المنشآت أو المشاركة في مشروعات صحية جديدة أو تقديم خدمات ضمن التأمين الصحي الشامل، وتؤكد الوزارة أن هذه الشراكات لا تعني بيع المستشفيات الحكومية، وإنما تعتمد في بعض الحالات على حق الانتفاع مع بقاء ملكية الأصول للدولة.
لكن دخول القطاع الخاص لا يغير فقط طريقة تشغيل المستشفى، وإنما يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والخدمة الصحية، فالدولة تتحول تدريجيًا من مقدم مباشر لكل الخدمات إلى جهة تمول وتنظم وتتعاقد وتراقب، بينما يتحمل المستثمر جزءًا من مسؤولية التشغيل وتوفير الكفاءة وتحقيق العائد.
هذا النموذج يحتاج إلى رقابة شديدة حتى لا تتحول اعتبارات الكفاءة الاقتصادية إلى ضغط على تكلفة الخدمة، خصوصًا في قطاع لا يستطيع المواطن الاستغناء عنه، فالمستشفى ليس مشروعًا تجاريًا عاديًا يمكن للمستهلك مقاطعته، والطبيب ليس خدمة يمكن للمريض تأجيلها بلا حدود، والمرض لا ينتظر تحسن الظروف المالية للأسرة.
1200 مشروع ومئات المليارات.. والإنفاق لا يكفي وحده
تستند وزارة الصحة في الدفاع عن سياساتها إلى حجم كبير من المشروعات والاستثمارات، وخلال السنوات الماضية، تحدث خالد عبدالغفار عن تنفيذ أكثر من 1200 مشروع صحي، إلى جانب ارتفاع الإنفاق على الصحة إلى مستويات ضخمة تجاوزت مئات المليارات سنويًا، مع توسع مستمر في إنشاء وتطوير المنشآت الطبية.
هذه الأرقام تعكس حجم الجهد الاستثماري الذي شهدته المنظومة، لكنها في الوقت نفسه تجعل معيار التقييم أكثر صعوبة؛ فكلما ارتفع الإنفاق، ارتفع معه سقف توقعات المواطن من مستوى الخدمة، لأن الإنفاق على المباني والأجهزة لا يضمن وحده علاجًا أفضل، فالمستشفى يحتاج إلى طبيب وتمريض وأدوية ومستلزمات وتشغيل مستقر ونظام إحالة فعال، وقد يتحول الاستثمار الضخم إلى إنجاز على الورق إذا لم يصل أثره إلى المريض في صورة خدمة أسرع وأفضل وأقل تكلفة.
ولهذا فإن كثرة افتتاح المنشآت أو الإعلان عن المشروعات لا يمكن أن تكون المعيار الوحيد للحكم على نجاح السياسة الصحية، لأن القطاع الصحي لا يقاس بحجم ما تم إنشاؤه فقط، وإنما بما ينتج عنه من خدمة فعلية ومستدامة.
الطبيب.. أزمة داخل أزمة
تواجه الوزارة في الوقت نفسه ملف الموارد البشرية، وعلى رأسه الأطباء وهيئة التمريض، في ظل الحاجة إلى تحسين بيئة العمل وزيادة جاذبية القطاع الحكومي والحد من خروج الكفاءات.
واتجهت الوزارة إلى تحسين العائد المالي للأطباء داخل منظومة التأمين الصحي الشامل، في محاولة لرفع قدرتها على الاحتفاظ بالكفاءات، وهو توجه ضروري في ظل المنافسة على الطبيب المصري، لكن تحسين دخل الطبيب لا يمكن أن يتم بعيدًا عن تكلفة الخدمة، خصوصًا مع توسع القطاع الخاص وارتفاع أسعار الكشف.
المعادلة أصبحت أكثر تعقيدًا؛ فالدولة تريد طبيبًا يحصل على دخل أفضل، والمستثمر يريد نموذج تشغيل يحقق عائدًا، والمستشفى يحتاج إلى موارد متزايدة، بينما يبقى المواطن مطالبًا بالحصول على الخدمة بأقل تكلفة ممكنة، وأي سياسة لا توازن بين هذه الأطراف ستنقل تكلفة حل مشكلة إلى طرف آخر داخل المنظومة.
الدواء.. الحلقة التي تهدد أي إصلاح
ولا تتوقف الضغوط عند المستشفيات والخدمات الطبية، فالدواء يمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح أي إصلاح صحي، وخلال الفترة الماضية ظهرت شكاوى ونقاشات حول توافر بعض الأصناف الدوائية، بينما أكدت الوزارة في المقابل توافر البدائل المحلية لعدد من الأدوية.
وجود بدائل محلية يمثل نقطة قوة في مواجهة نقص بعض الأصناف المستوردة، لكنه لا يلغي أهمية استقرار الإتاحة بالنسبة للمريض، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة الذين لا يستطيعون التعامل مع الدواء باعتباره سلعة متاحة عند الحاجة فقط.
وبالتالي، فإن نجاح السياسة الصحية لا يتوقف عند تمويل العلاج أو بناء المستشفيات، وإنما يرتبط أيضًا باستقرار سوق الدواء وقدرة الدولة على ضمان استمرار الأصناف الأساسية في الصيدليات والمستشفيات.
«الوزير المزدوج».. توسع الدولة وتوسع السوق في الوقت نفسه
تتجمع خيوط السياسة الصحية التي يديرها خالد عبدالغفار في صورة واحدة؛ الدولة تزيد إنفاقها وتبني مستشفيات وتوسع التأمين الصحي الشامل وتمول العلاج على نفقتها، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في التشغيل والاستثمار وتقديم الخدمة.
هذا النموذج لا يمثل تناقضًا نظريًا، لكنه يصبح محل انتقاد عندما لا ينعكس تعدد أدوات التمويل والتشغيل على المواطن في صورة منظومة أبسط وأقل تكلفة، فالدولة لا تزال تتحمل فاتورة ضخمة لعلاج ملايين المواطنين، بينما يظل جزء من المرضى مضطرًا إلى اللجوء إلى سوق خاص مرتفع التكلفة، في وقت لم يكتمل فيه النظام التأميني الذي يفترض أن يوفر المظلة الموحدة.
هنا تحديدًا تظهر مشكلة «الوزير المزدوج»: سياسة صحية تجمع بين منطق الدولة ومنطق السوق، لكنها لم تحسم بعد طريقة حماية المواطن عندما يصطدم المنطقان ببعضهما.
المواطن يدفع تكلفة المرحلة الانتقالية
المواطن هو الطرف الذي تظهر عنده كل أزمات المنظومة مجتمعة، فإذا لم تشمل المنطقة التي يعيش فيها منظومة التأمين الصحي الشامل، يعود إلى التأمين القديم أو العلاج على نفقة الدولة، وإذا لم تتوفر الخدمة التي يحتاج إليها في المنشأة الحكومية، يلجأ إلى القطاع الخاص، وإذا ارتفع سعر الكشف، يتحمل التكلفة لأنه لا يملك دائمًا بديلًا سريعًا، وبذلك يتحول تعدد المسارات من أداة لإدارة المرحلة الانتقالية إلى عبء على المواطن إذا لم يصاحبه توحيد حقيقي لمستوى الخدمة وتسهيل الوصول إليها.
الوزارة تملك مشروعات ضخمة، وتمويلًا متزايدًا، وخطة للتأمين الصحي الشامل، وتوجهًا للاستثمار الخاص، لكن هذه العناصر تحتاج إلى أن تتجمع في نتيجة واحدة بدلًا من أن تعمل كجزر منفصلة، فالإنفاق الحكومي يجب أن يخفض العبء على المواطن، والاستثمار الخاص يجب أن يزيد الطاقة الاستيعابية دون أن يرفع تكلفة العلاج عليه، والتأمين الشامل يجب أن ينهي تدريجيًا الحاجة إلى مسارات علاج متوازية.
خالد عبد الغفار أمام اختبار مختلف
المشكلة الأساسية في تجربة خالد عبد الغفار ليست غياب المشروعات أو نقص الخطط، وإنما أن حجم التحركات الحكومية أصبح أكبر من أن يقاس فقط بعدد المستشفيات الجديدة أو مليارات الإنفاق، فكلما اتسعت المنظومة، أصبح مطلوبًا منها أن تقدم للمواطن تجربة أكثر وضوحًا واستقرارًا وعدالة.
وحتى الآن، ما زالت الصورة تحمل تناقضًا واضحًا؛ دولة تنفق مليارات على العلاج، لكنها لا تزال تترك جزءًا من المواطنين في مواجهة سوق طبي مفتوح الأسعار، ودولة تبني تأمينًا صحيًا شاملًا، لكنها تستمر في إدارة نفقة الدولة لسنوات، ودولة تريد جذب المستثمر الخاص إلى الصحة، بينما تظل مسؤولة في النهاية عن حماية المواطن من أن تتحول الخدمة الأساسية إلى عبء مالي لا يستطيع تحمله.
لهذا فإن «الوزير المزدوج» ليس مجرد عنوان مثير، بل توصيف لمرحلة صحية تجمع بين نموذجين في وقت واحد: الدولة التي تمول وتضمن العلاج، والسوق الذي يشارك في تقديمه وتحمل تكلفته وتسعيره في مساحات واسعة، والنجاح الحقيقي لهذه السياسة لن يتحقق بكثرة المشروعات وحدها، وإنما عندما تختفي الفجوة بين ما تنفقه الدولة وما يحصل عليه المواطن، وعندما يصبح تعدد أدوات العلاج وسيلة لتوسيع الحماية الصحية لا سببًا في زيادة التعقيد والتكلفة، فالقطاع الصحي يمكن أن يحتمل تعدد النماذج، لكنه لا يحتمل أن يتحول المواطن إلى الحلقة التي تدفع فاتورة اختلافها.
