فخ التصفيات السياسية، كيف حولت إعدامات سبتمبر العراق إلى ساحة انتقام دائم؟
في مثل هذه الأيام عام 1959، عرف العراق واحدة من أسوأ عصور التصفية الجسدية بسبب الصراع على السلطة، حيث أصدر رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم أوامره بإعدام نخبة من كبار ضباط الجيش العراقي والمحسوبين على التيار القومي والناصري، بعد اتهامهم بالمشاركة في حركة رفعت الحاج سرّي ورفاقهم والتآمر للإطاحة بنظامه، ليدشن هذا القرار حقبة ممتدة من تصفيات الرعيل الأول لضباط ثورة 14 تموز 1958، ويفتح أبواب الصراع الطائفي والأيديولوجي على مصراعيه بين القوميين والشيوعيين.
انتفاضة الشواف وخلاف الإخوة الأعداء
جاءت تصفيات سبتمبر 1959 امتدادًا لانفجار خلاف عميق اندلع بين أقطاب ثورة 1958؛ فبعد إسقاط النظام الملكي، انقسم الشارع العراقي والمؤسسة العسكرية إلى تيارين رئيسيين، تيار قومي ناصري بزعامة عبد السلام عارف ينادي بالانضمام الفوري إلى الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، وتيار قطري تحالف معه الحزب الشيوعي بقيادة عبد الكريم قاسم الذي فضّل الاستقلال بالقرار العراقي.
وبلغ هذا الانقسام ذروته في مارس 1959 مع اندلاع عصيان الموصل بقيادة العقيد عبد الوهاب الشواف، وهو المخطط الذي شارك فيه ودعمه عدد كبير من الضباط الأحرار القوميين. وبعد إخماد العصيان بالقوة المفرطة ومذابح الموصل وكركوك، انطلق قطار المحاكمات الاستثنائية بقيادة العقيد فاضل عباس المهداوي رئيس ما عرف بـ "محكمة الشعب"، والتي تحولت منصتها إلى ساحة تصفية حسابات سياسية وإهانات علنية للرموز الوطنية والعسكرية.
كواليس المحكمة الاستثنائية وقرار الإعدام
طالت أحكام الإعدام قامات عسكرية وشخصيات بارزة في تاريخ العراق الحديث، وعلى رأسهم العقيد رفعت الحاج سري، مؤسس تنظيم الضباط الأحرار في العراق، والعميد ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية، إلى جانب عدد من الضباط والسياسيين القوميين.
ورغم النداءات العربية والدولية والوساطات التي حثت قاسم على العفو عن رفاق السلاح، إلا أن الحصار السياسي الخانق الذي فرضه الشيوعيون حول قاسم، وتصاعد حوادث الاغتيالات والمظاهرات والمواجهات المسلحة في الشوارع، دفعه لتوقيع قرارات الإعدام، وفي فجر سبتمبر 1959، نقِذت الأحكام في منطقة أم الطبول ببغداد، لتسود حالة من الذهول والصدمة الشديدة في الشارع العراقي والعربي.
مظاهر انفجار العنف السياسـي في العراق
أحدثت إعدامات أم الطبول زلزالًا سياسيًا أطاح بالاستقرار الهش للجمهورية الأولى؛ إذ أدت عملية التصفية إلى تجريف الجيش العراقي من كفاءاته القيادية، وزادت من عزلة عبد الكريم قاسم عربيًا وإقليميًا، لا سيما مع تصاعد الحرب الكلامية والإعلامية المحمومة بين بغداد والقاهرة.
ولم تمضِ سوى أسابيع قليلة على تنفيذ الإعدامات حتى تعرض عبد الكريم قاسم لنفسه لمحاولة اغتيال شهيرة في شارع الرشيد ببغداد في أكتوبر 1959 على يد شباب حزب البعث وكان من بينهم صدام حسين، والتي أُصيب فيها قاسم بنحو ثلاث أوردة ورصاصات.
كما كرس هذا القرار حالة من الانتقام المتبادل بين الأطراف السياسية، وهي الحالة التي تكللت بنهاية مأساوية لنظام قاسم نفسه في إعصار حركة 8 شباط ـ فبراير 1963، حين أُعدم قاسم في دار الإذاعة بنفس الأسلوب الذي اتبعه مع معارضيه، ليصبح قرار إعدام الضباط الناصريين والقوميين في سبتمبر 1959 نقطة اللاعودة في تاريخ العراق السياسي المعاصر؛ بعد أن كسر حرمة الدم بين رفاق السلاح ودشن قطار التصفيات الدموية داخل المؤسسة العسكرية التي كانت يفترض أنها ضابط الإيقاع والأمن للبلاد.
وحسب عدد من الباحثين، أورثت هذه الحقبة العراق إرثًا ثقيلًا من عدم الاستقرار السياسي والانقلابات المتتالية، حيث أثبتت التجربة أن استخدام المشانق لمحاكمات الرأي والتوجهات السياسية لم يكن يومًا أداة لتثبيت أركان الحكم، بل كان دليلًا على بداية تهاويه وإنذارًا بانفجار دوامة العنف التي لا تنتهي.
