رئيس التحرير
عصام كامل

بعد المحنة إكليل

18 حجم الخط

هناك أوقات يمر فيها الإنسان بمحن تجعله يشعر أن الطريق قد طال أكثر مما يحتمل، وأن الألم أصبح جزءًا ثابتًا من حياته. قد يستيقظ كل يوم وهو يحمل الهم نفسه، أو ينتظر انفراجة طال انتظارها، أو يحاول أن يتجاوز أمرًا ترك في داخله أثرًا عميقًا. وفي وسط هذه الأيام، قد يصبح السؤال الأصعب: هل سينتهي هذا التعب يومًا؟ وهل لكل ما أعيشه معنى؟

 

في مثل هذه اللحظات تأتي كلمات سفر طوبيا لتمنح القلب نافذة من الرجاء: «مَنْ يَعْبُدُكَ يُوقِنُ أَنَّ حَيَاتَهُ إِنِ انْقَضَتْ بِالْمِحَنِ فَسَتَفُوزُ بِإِكْلِيلِهَا». كلمات قيلت في سياق قصة مليئة بالاختبارات والألم والانتظار، لكنها تحمل حقيقة تتجاوز طوبيا وأسرته إلى كل إنسان يمر في حياته بوقت يشعر فيه أن المحنة أطول من قدرته على الاحتمال.

 

الآية لا تقول إن حياة الإنسان المؤمن ستكون خالية من المحن، بل تقول شيئًا أكثر واقعية وعمقًا: قد تمر الحياة نفسها بالمحن، لكن المحنة ليست الكلمة الأخيرة. وهذا فارق مهم جدًا. لأننا أحيانًا نظن أن وجود الألم يعني أن كل شيء يسير في الاتجاه الخطأ. ننسى أن المحنة مرحلة، وليست هوية، وأن الألم فصل من فصول الحياة، وليس الكتاب كله.

 

عندما يقول الكتاب إن الإنسان «يفوز بإكليلها»، فهو ينقل نظرنا من اللحظة الحالية إلى ما بعدها. فالإكليل في الكتاب المقدس يرتبط بالمكافأة والظفر بعد الجهاد، وبالنتيجة التي تأتي بعد رحلة لم تكن سهلة. وكأن الرسالة تقول إن ما تتحمله اليوم ليس بلا قيمة، وإن ما تبذله من صبر وأمانة وثبات لا يضيع.

 

ولعل أصعب ما في المحنة أنها تجعل الإنسان يعيش داخلها وكأنها لن تنتهي. فالذي يتألم اليوم لا يرى بسهولة صباح الغد، ومن طال انتظاره ينسى أحيانًا أن الانتظار له نهاية. لكن تاريخ الإنسان نفسه يخبرنا أن أشياء كثيرة ظننا يومًا أنها لن تنتهي، انتهت بالفعل، وأن أوقاتًا اعتقدنا أننا لن نستطيع تجاوزها أصبحت بعد سنوات مجرد فصل نتذكره.

 

ليس معنى ذلك أن كل ألم سينتهي بالطريقة التي نريدها، أو أن كل خسارة ستُعوَّض بصورة مطابقة لما فقدناه. فالحياة أكثر تعقيدًا من ذلك، وبعض الجراح تحتاج وقتًا طويلًا حتى تلتئم، وبعض الأسئلة لا نجد لها إجابة كاملة. لكن الرجاء المسيحي لا يقوم على ضمان أن كل شيء سيحدث وفق توقعاتنا، بل على الثقة بأن الله قادر أن يحوّل حتى المحنة إلى طريق للنضج والرجاء، وأن ما يعيشه الإنسان مع الله ليس بلا غاية.

 

كم من إنسان اكتشف بعد سنوات أن مرحلة الألم صنعت فيه شيئًا لم يكن ليصنعه وقت الراحة. جعلته أكثر رحمة بالآخرين، وأكثر فهمًا لضعف الإنسان، وأكثر تقديرًا للنعم الصغيرة، وأكثر قدرة على الوقوف بجوار شخص يمر بما مر به هو يومًا.

 

أحيانًا لا نفهم قيمة بعض المراحل ونحن داخلها، لأننا نكون منشغلين بمحاولة النجاة منها. لكن بعد أن نعبرها، نستطيع أن نرى كيف تغيرنا، وكيف أصبحنا أقوى أو أعمق أو أكثر قدرة على فهم الحياة. ولهذا، إذا كنت تمر بمحنة الآن، فلا تجعل طولها يقنعك بأنها لن تنتهي. لا تجعل كثرة الأيام الصعبة تنسيك أن هناك أيامًا أخرى لم تأتِ بعد. ولا تجعل ما فقدته يجعلك غير قادر على رؤية ما لا يزال أمامك.

 

قد تكون متعبًا، ومن حقك أن تعترف بتعبك. وقد تكون حزينًا، ومن حقك أن تحزن. الإيمان لا يعني أن تنكر مشاعرك أو تتظاهر بأن كل شيء بخير، بل أن تحمل ضعفك أمام الله وأنت ما زلت متمسكًا بالرجاء. وربما يكون أعظم ما تحتاج إليه في بعض الأيام ليس أن تعرف متى ستنتهي المحنة، بل أن تحصل على القوة الكافية لتعيش يومك دون أن تفقد رجاءك في الغد.

 

فلا أحد يستطيع أن يعرف كل تفاصيل المستقبل، لكن يمكن للإنسان أن يختار ألا يجعل الحاضر الصعب يحكم على المستقبل كله. إن كنت في بداية محنة، فلا تيأس. وإن كنت في منتصفها، فلا تستسلم. وإن كنت قد خرجت منها، فلا تنسَ كم كان الله أمينًا معك وأنت تعبرها.

 

وتذكّر دائمًا أن الكتاب لم يقل إن المؤمن لن يمر بالمحن، بل أعطاه رجاءً أعمق: أن المحنة مهما كانت مؤلمة، ليست نهاية الطريق، وأن هناك إكليلًا بعد الجهاد. وربما يكون الإكليل الذي تنتظره أوسع من الصورة التي رسمتها في ذهنك. وربما يكون جزء منه في هذه الحياة، حين تستعيد سلامك، وتكتشف أنك أصبحت إنسانًا مختلفًا، وجزءه الأعظم في الحياة الأبدية التي يفتحها الله لمن ثبت فيه.

لذلك، عندما يثقل عليك الطريق، لا تنظر فقط إلى المسافة التي قطعتها وسط الألم، بل تذكّر أيضًا أن الطريق لا ينتهي هنا. كل وجع له وقت، وكل محنة لها حدود، وكل ليلة مهما طالت لها صباح. وما دام الله هو الذي تسير معه، فلا تجعل قسوة المرحلة تجعلك تنسى الرجاء في نهايتها.

قد تنقضي الحياة بالمحن، لكن الإيمان يعلّمنا ألا نرى المحنة باعتبارها النهاية؛ فبعد الجهاد إكليل، وبعد التعب رجاء، وما يزرعه الإنسان في الصبر والأمانة لا يضيع عند الله.

الجريدة الرسمية