الأحزاب والنواب.. والحياة السياسية! (٢-٢)
هل أدى البرلمان دوره في خدمة المواطن، بتشريع يواكب احتياجاته، ورقابة تلزم الحكومة بالوفاء بمسؤولياتها؟ وهل نجح النواب في تحويل أصوات الناخبين إلى قوة مؤثرة في صنع القرار؟ وماذا تعني كثرة الأحزاب والمقاعد إذا ظلت أزمات المواصلات والإسكان والخدمات العامة تراوح مكانها، وبقي المواطن بعيدًا عن دائرة التأثير؟
هذه الأسئلة، التي يثيرها الدكتور عبد الرحمن نجاح في حديثه عن المشهد السياسي، والتي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار، ذلك أنها تتجاوز النقد البرلماني المعتاد، لتفتح ملف العلاقة بين المواطن وممثليه، وبين المؤسسات السياسية واحتياجات المجتمع، في مرحلة تفرض تحديات جسيمة ومقتضيات إصلاح لا تحتمل التأجيل.
فالمواطن لا ينتخب نائبًا ليظهر في الصور، أو يعلن عن زيارة ميدانية، وإنما ليحمل صوته إلى البرلمان، ويترجم مشكلاته إلى تشريع عادل، أو رقابة جادة، أو موقف يحمي حقوقه ويضمن حسن إدارة الموارد. ومن هنا، يظل السؤال: ماذا قدمت للناس؟ ليس بما تحمل من مشروعات اسمك، وإنما بما أحدثته من أثر في حياتهم.
وفي حديثه عن دمياط، يطرح الدكتور عبدالرحمن نجاح قضايا تمس الحياة اليومية، من أزمة المواصلات وصعوبة الانتقال بين المدن والمراكز، إلى أوضاع المواقف ومشكلات الإسكان الاجتماعي والاقتصادي. وهي ملفات تحتاج إلى رؤية متكاملة وخطط معلنة ومتابعة جادة، لا إلى وعود تتكرر دون أن يشعر المواطن بنتائجها.
فهل توجد رؤية للنقل العام تربط دمياط بفارسكور والزرقا والمدن الجديدة؟ وهل تُدار المواقف باعتبارها مرافق عامة تحفظ كرامة المواطنين، أم تظل أزماتها رهينة الحلول المؤقتة؟ وأين تقف مشروعات الإسكان من احتياجات الشباب والأسر محدودة الدخل؟
إن المشروع الذي يخدم الناس حق لهم، وليس منحة شخصية من نائب، كما أن الإعلان عنه لا يعني اكتماله. وعندما تتردد أرقام بمئات الملايين أو مليارات الجنيهات لإنشاء منشآت طبية أو تطوير خدمات التأمين الصحي، فمن حق المواطن أن يعرف طبيعة المشروع، ومصدر تمويله، والجهة المسؤولة عنه، والجدول الزمني لإنجازه، ومدى استجابته للاحتياجات الفعلية.
فالمال العام أمانة، وليس مادة للمزايدة السياسية أو التنافس الإعلامي. ومن مقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ألا يُبخس المواطن حقه في المعرفة، وألا يُنسب إلى فرد ما هو ثمرة عمل مؤسسات الدولة وموارد المجتمع.
لكن القضية أعمق من الخدمات. فهل تنحصر وظيفة النائب في الوساطة بين المواطن والمسؤول، أم أن دوره الحقيقي يبدأ من التشريع والرقابة ومساءلة الحكومة عن سياساتها وأوجه القصور في أدائها؟
إن البرلمان ليس مكتبًا لتلقي الشكاوى، ولا منصة لإعلان الإنجازات، وإنما مؤسسة دستورية يفترض أن تكون فيها السلطة التنفيذية موضع مساءلة، وأن تتحول احتياجات المجتمع إلى تشريعات وسياسات قابلة للتنفيذ. فإذا تكررت الشكاوى، أو ثارت تساؤلات بشأن المال العام، فواجب النائب أن يتحقق ويسأل ويتابع، مستندًا إلى المعلومات والأدلة، بعيدًا عن الشائعات والتشهير.
فالرقابة ليست خصومة شخصية، وإنما حق للمجتمع وواجب على ممثليه، كما أن حق المواطن في السؤال والمحاسبة لا ينتقص من هيبة الدولة، بل يعزز الثقة في مؤسساتها. غير أن هذه الثقة تبدأ من سلامة العملية الانتخابية نفسها. فكيف يشعر المواطن بأن صوته مؤثر إذا أحاطت بالمنافسة تساؤلات بشأن المال السياسي أو تكافؤ الفرص أو التدخل في تشكيل القوائم والنتائج؟
إن ما يثيره الدكتور عبدالرحمن نجاح بشأن تدخل أجهزة الدولة في العملية السياسية يطرح قضية تستوجب التحقق والتدقيق، بعيدًا عن الانطباعات والأحكام المسبقة. فسلامة الانتخابات لا تُقاس بإعلان النتائج وحده، وإنما بنزاهة الإجراءات، وحرية الناخبين، وتكافؤ فرص المرشحين، وشفافية إدارة العملية الانتخابية.
وإذا كانت الدولة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية جسيمة، فإن ذلك لا يجعل المشاركة السياسية عبئًا، بل يزيد الحاجة إليها. فالدولة القوية لا تخشى الرأي الآخر، ولا ترى في الرقابة خصومة، وإنما تعتبرهما وسيلتين لاكتشاف الخلل وتصحيح المسار.
إن الإصلاح السياسي لا يتحقق بإقصاء الأحزاب أو تغيير شكل البرلمان وحده، وإنما بإعادة الاعتبار لوظائفه الحقيقية: انتخابات نزيهة، وأحزاب تمتلك برامج واضحة، ونواب يخضعون للمحاسبة، ومؤسسات تتيح المعلومات.
فلماذا لا يعلن كل نائب ما تعهد به، وما أنجزه، وما تعثر في تحقيقه وأسباب التعثر؟ ولماذا لا تصبح تقارير الأداء البرلماني متاحة للمواطنين، حتى لا تظل العلاقة بين النائب والناخب رهينة موسم انتخابي قصير؟
إن المواطن لا يطلب من ممثليه أن يحلوا كل مشكلاته، لكنه ينتظر منهم أن يستخدموا أدواتهم الدستورية من أجلها، وأن يجعلوا من اختلافهم وسيلة لتقديم الحلول، لا غاية تنتهي عند حدود السجال.
فالبرلمان الذي لا يشرّع بما يواكب احتياجات المجتمع، ولا يراقب أداء الحكومة، ولا يحمل صوت المواطن إلى دوائر القرار، يفقد جوهر وظيفته في نظر الناس. أما البرلمان الذي يمارس دوره بجدية، فيصبح شريكًا في الإصلاح، وسندًا للمواطن، ومؤسسة تحول المطالب إلى سياسات، والأسئلة إلى إجابات، والوعود إلى نتائج.
وهنا يبقى السؤال: هل نريد برلمانًا يكتفي بالحضور في المشهد، أم برلمانًا يشعر المواطن بحضوره في حياته؟
