اقتصاد الشنطة والكاش!
المشكلة ليست أن المصري لا يملك حسابًا في البنك.. المشكلة أنه عندما يحتاج إلى استخدامه، يجد نفسه أحيانًا مضطرًا إلى العودة إلى الشنطة! طبيب ينتهي من العملية فيقول للمريض: الأتعاب كاش.. ومحامٍ يتقاضى أجره نقدًا.. مدرس سنتر يحصل على مصروفاته يدًا بيد.. منصة تعليمية أو خدمية تتلقى أموالًا خارج المسار المصرفي..
مقاول يطلب مستحقاته نقدًا.. وتاجر ومهن كثيرة ما زالت ترى في النقود الورقية الطريق الأقصر والأضمن. وهكذا تدور أموال ضخمة خارج الدورة الرسمية، بلا فاتورة أحيانًا، وبلا أثر مصرفي واضح، فتضيع على الدولة موارد ضريبية هي في أمس الحاجة إليها.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد تفضيل الكاش على البطاقة؛ فحين يتحول التعامل النقدي إلى وسيلة لإخفاء جزء من الدخل وعدم إصدار الفواتير، فإننا نكون أمام أحد أبواب التهرب الضريبي، بما يحرم الخزانة العامة من موارد مهمة يمكن أن تذهب إلى التعليم والصحة والخدمات والحماية الاجتماعية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يدفع الملتزم كل ما عليه، بينما يستطيع آخر أن يخفي دخله ثم تذهب الدولة للبحث عن موارد إضافية في جيب المواطن البسيط، برفع الأسعار أو زيادة الرسوم أو التوسع في الجباية أو تخفيف الدعم؟
صحيح أن مصر قطعت شوطًا مهمًا في الشمول المالي، وارتفعت معدلات امتلاك واستخدام الحسابات والأدوات المالية بصورة كبيرة، لكن علينا أن نسأل السؤال الأصعب: هل نجحنا في تغيير سلوك المجتمع، أم نجحنا فقط في زيادة عدد الحسابات والبطاقات؟
فالشمول المالي لا يكتمل بمجرد أن يحمل المواطن بطاقة في جيبه. ماذا يفعل بها إذا تعطل جهاز الصراف الآلي؟ أو لم يجد فيه نقودًا؟ أو فشلت المعاملة؟ أو اكتشف أن الطبيب والتاجر والمحامي والمدرس والمقاول يريدون أموالهم نقدًا؟
هنا يصبح الكاش أكثر من وسيلة دفع.. يصبح ثقافة، وأحيانًا يصبح ستارًا يصعب معه معرفة حجم النشاط الحقيقي والدخل الحقيقي والضريبة المستحقة.
والاقتصاد غير الرسمي ليس مجرد جيش من المتهربين كما يحلو للبعض أن يختصره. نعم، هناك تهرب ضريبي يجب مواجهته بحزم وعدالة، لكن هناك أيضًا صاحب نشاط صغير يخشى التعقيدات، وحرفي لا يحتمل تكلفة الالتزام، ومهني يرى أن التعامل النقدي أسهل، ونظام يجب أن يجعل الرسمية منفعة لا عبئًا.
ولهذا لن تنجح المواجهة بالعقوبات وحدها. إذا أردنا أن نخرج الاقتصاد الموازي إلى النور، فعلينا أن نجعل النور أكثر جاذبية من الظلام.
اجعل تسجيل النشاط أسهل، والضرائب أبسط، والدفع الإلكتروني أكثر موثوقية، والفاتورة الإلكترونية جزءًا طبيعيًا من المعاملة، واربط الالتزام بمزايا حقيقية: تمويل أفضل، خدمات أسرع، حماية اجتماعية، وتسهيلات لا يحصل عليها من يصر على البقاء خارج المنظومة.
وفي المقابل، تستطيع الدولة أن تستخدم البيانات بذكاء؛ فالنشاط الذي يعلن دخلًا محدودًا بينما تدور حوله معاملات ضخمة لا يحتاج إلى مطاردة عشوائية، وإنما إلى نظام قادر على اكتشاف التناقضات بعدالة ودقة. المعركة إذن ليست مع الشنطة، ولا مع النقود الورقية في حد ذاتها.. وإنما مع اقتصاد يستطيع أن يعيش طويلًا بلا فاتورة ولا حساب ولا أثر.
لقد نجحنا إلى حد كبير في فتح أبواب البنوك أمام المواطنين، وحان وقت الخطوة الأصعب: أن نجعل الاقتصاد نفسه يدخل من هذه الأبواب. فالشمول المالي الحقيقي ليس أن تكون لك بطاقة.. بل أن تصبح البطاقة هي الاختيار الطبيعي عندما تدفع للطبيب، أو المحامي، أو مدرس السنتر، أو التاجر، أو حين تحصل على أجرك وتشتري سلعتك.
وعندما يصبح الرسمي أسهل وأرخص وأكثر أمانًا من الكاش، ويصبح دفع الضريبة التزامًا عامًا لا اختيارًا، فلن تحتاج الدولة إلى مطاردة الاقتصاد الموازي كل يوم؛ سوف يبدأ السوق نفسه في طرده. أما أن يظل البعض يخبئ دخله في شنطة، ثم تبحث الدولة عن ملياراتها في جيب المواطن الذي لا يملك إلا قوت يومه، فهذه ليست معادلة اقتصادية عادلة.. وتلك حكاية لها العجب!
