ترامب.. المسمار الأخير في نعش الهيمنة الأمريكية!
ليس أخطر ما يحدث في العالم اليوم أن تخفض الصين حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية، ولا أن يرتفع الدين الأمريكي إلى مستويات غير مسبوقة، ولا أن تهتز أسواق السندات تحت وطأة ارتفاع الفائدة وتزايد كلفة الاقتراض، الأخطر أن تتزامن كل هذه الظواهر مع تحولات سياسية وجيوسياسية تعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية.
ومن هنا تبدو ملاحظات الدكتور رضا عبدالسلام، التي وصف فيها دونالد ترامب بأنه «المسمار الأخير في نعش الهيمنة الأمريكية»، جديرة بالمناقشة، لا باعتبارها نبوءة بسقوط الولايات المتحدة غدًا، وإنما باعتبارها سؤالًا مفتوحًا: هل يمكن لسياسات القوة المفرطة أن تتحول، مع الوقت، إلى عامل من عوامل إضعاف القوة نفسها؟
الأرقام تقول إن الصين خفضت بالفعل حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية إلى نحو 633.4 مليار دولار في يونيو الماضي، وهو أدنى مستوى لها منذ سبتمبر 2008، وبانخفاض يزيد على 13% خلال عام. لكنها لم تغادر السوق الأمريكية، ولم تتخلَّ عن الدولار بالكامل، كما أن اليابان وبريطانيا وغيرهما خفضوا حيازاتهم في الشهر نفسه.
إذن نحن أمام إعادة تموضع أكثر من كوننا أمام هروب صيني من أمريكا.
لكن لماذا يحدث ذلك؟
لأن العالم لم يعد كما كان. فالدول التي كانت تضع فوائضها في أدوات الدين الأمريكية باعتبارها الملاذ الأكثر أمانًا بدأت تنظر إلى الصورة كاملة: الدين الأمريكي، العجز، الفائدة، العقوبات، الحروب التجارية، وتوظيف الدولار أحيانًا كسلاح سياسي.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالعملة لا تصبح عملة احتياطية بقوة السلاح وحده، وإنما بقوة الثقة. والثقة لا تُشترى بالشعارات، وإنما تُبنى بالاستقرار، واحترام المؤسسات، وانضباط المالية العامة، وقابلية التنبؤ بالسياسات. وليس من السهل القول إن أمريكا في طريقها إلى الانهيار. فهذا استنتاج أكبر من الوقائع.
الولايات المتحدة ما زالت صاحبة أكبر اقتصاد اسمي في العالم، وأعمق أسواق مالية، ودولارها ما زال في قلب النظام المالي الدولي. لكن السؤال الأكثر عقلانية هو: هل تتراجع نسبة القوة الأمريكية في عالم تتقدم فيه الصين والهند وقوى أخرى، وهل تساعد بعض سياسات واشنطن على تسريع هذا التحول؟
المؤشرات تستحق التأمل.
عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا تجاوز 5.3% في سبتمبر، فيما اقترب عائد السندات لأجل عشر سنوات من 5%، وسط ارتفاع التضخم وأسعار الطاقة وتزايد المخاوف من كلفة الاقتراض. وهنا يصبح السؤال أكبر من ترامب نفسه: ماذا يحدث عندما تصبح الدولة الأقوى في العالم مطالبة بتمويل دين متضخم بتكلفة أعلى، في الوقت الذي يتغير فيه توزيع القوة الاقتصادية عالميًا؟
لكن ماذا عن مصر؟
هنا ينبغي أن نخرج من مقاعد المتفرجين. لا مصلحة لمصر في أن تتمنى سقوط أمريكا، ولا في أن تراهن على صعود الصين باعتباره بديلًا جاهزًا، ولا في أن تضع مستقبلها الاقتصادي في سلة قوة دولية واحدة. السياسة الرشيدة ليست اختيار معسكر إلى الأبد، وإنما بناء دولة تستطيع التعامل مع الجميع من موقع المصلحة الوطنية.
وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن نعيد فيها تعريف الإصلاح الاقتصادي المصري. فإذا كان العالم يتجه إلى تعدد مراكز القوة، فإن مصر تحتاج إلى تعدد مصادر القوة: إنتاج لا استيراد، تصدير لا استهلاك، استثمار خاص لا اعتماد دائم على الدولة، صناعة تنافسية، زراعة أكثر كفاءة، سياحة أكثر قدرة على جلب العملة، وقناة السويس قادرة على استعادة كامل طاقتها عندما تستقر الأوضاع الإقليمية.
والأهم من ذلك: تقليل هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية. صندوق النقد الدولي نفسه، في أحدث مراجعة لبرنامج مصر، أشار إلى تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الإصلاحات الهيكلية ما زالت غير مكتملة، وأن تسريع تقليص بصمة الدولة في الاقتصاد وتنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج أمران حاسمان لنمو يقوده القطاع الخاص.
إذن لا ينبغي أن يكون السؤال المصري: هل ستسقط أمريكا؟ السؤال الأهم: ماذا لو تغير العالم فعلًا؟ وهل نحن مستعدون؟ ماذا لو تراجع الاعتماد على الدولار تدريجيًا؟ ماذا لو أعادت الصين توجيه جزء أكبر من فوائضها نحو آسيا وأفريقيا؟ ماذا لو أصبحت المنافسة على الاستثمار العالمي أكثر شراسة؟ ماذا لو لم يعد المال يبحث فقط عن الدولة الأكبر، وإنما عن الدولة الأكثر استقرارًا والأعلى إنتاجية والأقل مخاطرة؟ عندها لن تنقذنا الشعارات.
خارطة الطريق المصرية
خارطة الطريق تبدأ من قاعدة بسيطة: لا تراهن على سقوط أحد، بل ابنِ قدرتك على الوقوف.. نحتاج إلى تسريع الإصلاح الإداري، وتبسيط إجراءات الاستثمار، وإتاحة المنافسة العادلة، وتوسيع القاعدة الضريبية بدلًا من إثقال الملتزمين، ومحاصرة الاقتصاد غير الرسمي والتهرب الضريبي، وإعادة توجيه الإنفاق العام إلى الإنتاج والبنية الأساسية ذات العائد، وتعميق الصناعة المحلية، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وتحويل كل محافظة وقرية قادرة على الإنتاج إلى خلية تصدير.
ونحتاج قبل ذلك كله إلى حماية القرار الاقتصادي من الحسابات قصيرة الأجل. فالدول لا تصبح قوية لأنها تملك المال فقط، وإنما لأنها تعرف كيف تصنع المال، وكيف تحافظ عليه، وكيف تحوله إلى إنتاج وفرص عمل وقيمة مضافة.
العالم يتحرك. الصين تتحرك. أمريكا تتحرك. أوروبا تبحث عن مكانها. والنظام الدولي نفسه يعاد تشكيله أمام أعيننا.
فهل نكتفي بمشاهدة العجلة وهي تدور، أم نبدأ نحن أيضًا في بناء عجلة مصرية لا تتوقف إذا تعثرت عجلة غيرنا؟
ذلك هو الدرس الحقيقي من قصة ترامب والصين والدولار. لا تنتظر سقوط الإمبراطوريات.. ابنِ وطنًا لا يهتز إذا تغيرت الإمبراطوريات.
