رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (20).. استلاب الهويات

18 حجم الخط

كنا بصدد استكمال نوافذ الوعي حول مدونة العُمران النفسي لدى المتنبي، لكنَّ ثلاثًا من النوازل قد دَهَتْ الوطن الغالي؛ أولاها مُسَيَّرة الخيانة التي استهدفت ميناء دمياط المدني؛ والثانية رسوب 67% من طلاب كلية الطب بإحدى الجامعات الإقليمة في امتحانات نهاية العام؛ الثالثة: الأخبار المتداولة حول شبهات نجاح طلاب إحدى لجان الثانوية العامة نتيجة الغش الجماعي.

 

وعلى الرغم من أن النوازل الثلاثة تتعلق بموضوع خيانة الأمانة الذي عالجته النافذة السابقة. لكننا مضطرون لمعالجة النوازل الثلاثة بنوع من الاستقلال عن النافذة السابقة لأن هذه النافذة بمثابة تخصيص للموضوع، فالغش أحد صور خيانة الأمانة سواء في ثوبها الوطني أو الأخلاقي أو العلمي أو الديني، وليس جميعها.

فنحن إزاء ضرورة حتمية تحليل بِنْية الغش النفسية والأخلاقية لفهم كيفية تحوُّله من فعل عارض إلى مرض اجتماعي خبيث يهدد مستقبل الأوطان من خلال دوره السرطاني في صناعة الإنسان المزيَّف.

 

فالأمم لاتسلك سُبُل الانهيار بنزيف المعارك والحروب، ولا بالانهيار الاقتصادي وإنما تسقط الأمم عندما تنهار منظومة القيم والأخلاق التي تحكم مجتمعاتها وتشكِّل معايير الخطأ والصواب فيها:

وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقِهم … فأقمْ عليهم مأتمًا وعويلا
وذلك لأن:                                                                                                         وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا


فتسقط الأمم عندما يتعايش أفرادها مع الغش في وئام، ويتصالحون مع الكذب بانتظام، ويتبنون الخديعة عنوانًا للنباهة على الدوام، ويصاحبون التزوير والتزييف رفيقًا للعمر في معاملة الأنام.

وذلك لأن الغش ليس مجرد انحراف أخلاقي بل انقلاب في وحدة النفس وبِنْيتها؛ إذ تتحول النفس معه من كيان ساعٍ إلى الحقيقة إلى كائن يطلب الصورة الزائفة، فيتحول جهد النفس من بناء الذات إلى تزويرها.

 

أي تتحول الذات إلى مُسْتَلب لهُويَّات الآخرين تنتقي منها ما تراه زينة وفخرا لها أمام المجتمع، ولمَّا كانت إمكاناتها وقدراتها ومواهبها وقواها العقلية لا تمكِّنها من تكوين تلك الهوية، فليس أمامها إلا استلاب تلك الهوية (وظيفة، درجة أكاديمية، شهادة علمية، منصب سياسي) بالغش والتدليس، لتتدثر بها رداء زينة وحِلْية أمام المجتمع.

 

لأن الهُوية الفردية كما يرى أريك أريكسون هي العنصر الأول الضروري الذي يحتاجه الفرد في تقديم نفسه للمجتمع المحيط به، فحين يسألنا الناس: من نحن؟ فإنهم لا يقصدون عادة الاسم الذي نحمله، بل موقعنا في شبكة العلاقات الاجتماعية، أي الدائرة الصغيرة التي ننتمي إليها ضمن الدائرة الاجتماعية الكبرى، والوظيفة التي نقوم بها ضمن هذه الدائرة.. 

ولذلك لا يكتفي الفرد بذكر اسمه الأول بل يضيف إليه اسم العائلة، ثم يلحقه بالتعريف الوظيفي والمهنة التي يحترفها والمكانة التي يشغلها كتمهيد للاندماج في المجتمع والتمتع بالمزايا، والمكتسبات المادية والأدبية التي يمنحها المجتمع للمائزين ذوي المكانة والوظائف والمهن والحيثيات الرفيعة.

 

ويخطئ مَنْ يظن أن الغش مَرَضٌ نفسي، فهو انحراف أخلاقيٌّ خالص بإدراك تام وتخطيط خَفِي مستمر يبدأ بضعف الإرادة، ثم تدريجيا موت الضمير بتراجع النفس اللوامة، لينتهي في مرحلته الأخيرة بأن يصبح عادةً وطبعًا وسجيةً مع ترسُّخه في النفس الأمَّارة بالسوء.

بل قد تدفع النفس الأمارة بالسوء الغشاشَ والمُدلِّسَ إلى التباهي بمقدرته الفائقة على الخداع، وإجادته التزوير والتزييف، وإتقانه الاحتيال ليس على البشر فحسب بل على اللوائح والقوانين وحتى الشرائع السماوية  .

وذلك ما أشار إليه القرآن الكريم في بيانه لتلك الحالة الانحرافية المتقدمة في الغش والخديعة بقوله تعالى: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا).

 

وتعد هذه الدرجة من الانحراف أبرز درجات فساد الطبع والسجيّة التي قاد الإنسانَ إليها استكانته إلى الغش واستحسانه مكتسباته منه وركونه إليه طريقا ووسيلة مستحبة نظرا لسهولتها في الاستيلاء على هُويات الآخرين ومكتسباتها، كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حتَّى يَكونَ صِدِّيقًا. وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا).


ذلك بأن الغشَّاش والمُدلِّس قد ارتكن إلى هذا الانحراف الأخلاقي ومكتسباته ولم يحاول تقويمه وإصلاح ذاته. ومن هنا تأتي خطورة الغش والتدليس على المجتمع من عدة جهات:

أولاها:
أن الغشاش والمدلّس سيكون بؤرة عَدْوى مُسْتشرية بالمجتمع أينما تتوجه لا تأتي بخير لا فعلا ولا قولا، وأَنَّى له ذلك وفاقد الشيئ لا يعطيه، فقد ترسخ الانحراف داخله فلا يعرف إلَّاه صراطا وطريقًا قوليًا وفعليا: (ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

الثانية: 
إشاعة عدم الثقة في المعاملات بين أفراد المجتمع وذيوع أساليب التدليس والتزوير والتزييف، وضياع معايير الخطأ والصواب، وغياب الصدق والمصداقية والأمانة والموثوقية؛ وانتشار الظلم بغياب العدل وانعدام تكافؤ الفرص الذي يزيد العداوة بين أفراد المجتمع بسبب ما يسلبه الغشاش والمدلس من مراتب ومكتسبات هي من حقوق الآخرين بسبب كفاءتهم وجِدِّهم واستحقاق اجتهادهم.

 

وكذلك ما قد يؤدي إليه الغش من سهولة خيانة الأوطان لأجل اكتساب هوية الثراء المادي والمكانة الاجتماعية. وربما يكون هذا الدافع وراء حادثة مسيَّرة الخيانة التي لا يُستبعد أن يكون وراءها الطابور الخامس من مرتزقة التمويلات الخارجية وعملاء السفارات الأجنبية تحت الشعارات الحقوقية أو التقدمية.

ولذلك جاء نهي الشرائع السماوية عن الغش حاسمًا، كما في مزامير داود: [مِنَ الشَّرِّ صُنْ لِسانَكَ ومِن كَلامِ الغِشِّ شَفَتَيكَ]، وجاء تحريم الغش في الإسلام مقرونا بنفي الهوية الإسلامية عن الغشاش في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ غَشَّنا فليس مِنَّا).

 

الثالثة:
زيادة معدلات التخلف الحضاري والتراجع العلمي، وربما تكون نسبة رسوب طلاب كلية الطب بإحدى الجامعات المشار إليها في مطلع النافذة أقوى المؤشرات على ذلك إذ تجاوزت 67 %، مما يقطع بانعدام أية آمال في إجادة أو إتقان أو ابتكار أو إبداع علمي يقود إلى نهضة أو تقدم حقيقي.

 

الرابعة:
أن غشاش اليوم هو صانع جريمة الغد؛ لأن الطالب الذي بدأ بالغش وذاق مكتسباته لن يتوقف عند تلك المرة، فقد أصبح الغش لديه بابه المفتوح وطريقه السهل إلى المكاسب دون عقبات، مما يجعله يخاصم الجد والاجتهاد والصبر على تحصيل العلوم والمعارف وإتقان المِهَن والصناعات.

فالطالب الذي حصل على شهادة الثانوية العامة بالغش سيستمر في الغش ليصبح:
1- طبيبًا جاهلا بالعلاج سواء نجح في التخرج من الكلية أم لم ينجح وقام بتزوير شهادة لفتح عيادة.
2- مهندسًا حاصدا أرواح الناس برسوماته الهندسية الكارثية، أو بغشه في نسب مواد البناء، أو في تقارير الصلاحية عند استلام الإنشاءات من شركات المقاولات.

 
3- قاضيًا يجهل القانون فلا يحكم بالعدل الذي يتطلب المعرفة والفهم معًا.
4- شيخًا يفتي ويدعو الناس إلى الدين على جهل بمنهج الدعوة وأصول الفتوى وأدلة الاجتهاد. 
5- معلمًا يعلم الصبيان والناشئة من الأجيال المعلومات المغلوطة والمعارف الشائهة.


6- مسؤولا إداريا يتخذ القرارات بغير علم فيكون ضرره أكبر من نفعه.
7- مثقفًا جاهلا أصالة حضارته وهُوية أُمَّتِه؛ فيندفع بلا عقلٍ رشيد مبشِّرًا بوعي زائف وعلمانية لا دينية وأخلاقٍ شهوانية، ويتاجر للارتزاق بحلول حداثية مستوردة في خدمة أجنداتٍ غربية مُمَوَّلة؛ ليهدم الثوابت الدينية والأخلاقية والاجتماعية.

 
8- أكاديميًا قد اكتسب درجته الوظيفية بالتدليس على لجان الترقيات؛ فأصبح كارثةً ووبالًا على المجتمع العلمي والثقافي بما يبثه من جهالات معرفية ومنهجية قد أصبحت فرضًا وفريضةً بتسلطه على رقاب الطلاب.

الجريدة الرسمية