رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (21)

الإرضاع التضليلي في بروتوكولات إخوان الشياطين

18 حجم الخط

قد تكون هذه النافذة الأَشدَّ غرابةً في عنوانها واصطلاحاتها رغم أنها الأكثر إلحاحًا معرفيًا واحتياجًا بيانيًّا في قائمة مهددات هُويَّتنا الحضارية، وصلادتنا المجتمعية، ووجودنا الإنساني على خارطة المسكونة.

وذلك يفرض علينا نزوعًا منطقيًا نحو تعريف مفردات العنوان ومضامين اصطلاحاته يبدأ بإخوان الشياطين؛ نظرًا لأن تأسيسية الإرضاع التضليلي وفعالياته وممارساته تنبني عليهم، وتقوم بهم، وتستمد وجودها من وجودهم؛ إلى جانب كون اصطلاح إخوان الشياطين هو الأسبق إلى الوجود بما يقارب ألفًا وأربعمائة عام.

 

فقد صَكَّ القرآن الكريم هذا الاصطلاح العجيب ذا الدلالات والمعاني النفسية والأخلاقية والاجتماعية والفكرية الكثيفة في إطار التصور القرآني لمشكلة وقوع الشرِّ في العالم، ومسبباته، والمسؤوليات الفردية والجماعية عن الانحرافات الإدراكية والفكرية والسلوكية المؤدية إليه.

 

وتَبَعًا لذلك فإن إخوان الشياطين نَمَطٌ سلوكيٌّ معرفيٌّ منهجيٌّ يتحمل المسؤولية التضامنية المشتركة ذات الإسهام الفاعل في وقوع الشرِّ بالعالم، وقد ظهر هذا النمط للوجود مبكرًا جدًا مُنذ بدء الخليقة، وفي زمن نبيها الأول آدم أبي البشر والأنبياء.

 

إذ يقول تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ  وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ).

فإخوان الشياطين هم أعداء القيم الأخلاقية والدينية التي جاءت بها الأنبياء والشرائع؛ ممن يضمهم ذلك الجَمع المُحَدَّد والمُؤَطَّر بعدة أُطُر؛ منها:

 

أولا: الأقدمية التاريخانية؛ ومسؤولية الإسهام في صناعة الشر والانحراف منذ بدء الخليقة حتى اليوم؛ وكذلك تفعيله وممارسته بالأدوات ذات الفاعلية والتأثير سواء أكانت ذات أصالة أم حداثة؛ مثل: التغرير؛ التزيين؛ الافتراء والكذب؛ التلبيس؛ الاحتيال؛ التخييل؛ الإغواء.. إلخ.. 

مما انتهجه أخوهم الأكبر إبليس، وأنفذه عمليًا بدقة متناهية من خلال ممارسة أول عملية تزييف وعي في تاريخ البشرية، قادت آدم وحواء إلى الوقوع في أول شرور وخطايا العالم بمعصية التوجيهات الإلهية التي تمخض عنها إخراجهما من الجنة.

 

ثانيا: الأََهَمُّ في تلك الأُطُر إطار التضليل والإضلال بالتشجيع على الانقياد للشهوات، وسَوْق الناس إلى فعل القبيح عن علم أو جهل مركب؛ والحرص على ذلك والعمل عليه بكل القوة والجهد؛ مما جعل  ذلك الإطار يأتي قرينًا صريحًا لاسمهم: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ).


وبسبب فاعلية هذا الإطار المميز لبروتوكولات إخوان الشياطين وقوة تأثيره جاء التحذير القرآني واضحًا في إبطال مصداقية القائمين عليه من المضللين وفي البرهنة على بطلان ضلالاتهم الدعوية والاحتيالية والمعرفية. يقول تعالى: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا).

 

ثالثًا: إطار آخر لا يقل أهمية عن التضليل والإضلال؛ لأنه يتضمن إشارة إلى وسيلة من وسائل الإفساد والإضلال، ألا وهي مجاوزة حدود العدالة والاعتدال بالتبذير والإسراف ليس فحسب في إنفاق المال بغية الإفساد في الأرض: (يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ).. 

بل كذلك بالتبذير والإسراف في الانحراف بالعقل عن وظيفته في الإرشاد والهداية لسواء السبيل؛ وذلك بتوجيه طاقة العقل إلى محاربة القيم الأخلاقية والدينية بتشويهها وتفريغها من مضمونها؛ ومن ثَمَّ الوصول إلى غاية تعطيلها وصرف الناس عنها. يقول تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا).

 

رابعًا: أخيرا وليس أخِرًا إطار الاقتران الزمني في الصُحبة بين إخوان الشياطين بنوعيهم الجني والإنسي في الدنيا، وكذلك الشراكة في اقتسام المصير الأُخْروي من العذاب، نتيجة الاشتراك  في جرائم مخاصمة القيم الأخلاقية والدينية؛ وصدِّ الناس عنها بكل الأشكال والممارسات الاحتيالية: 

(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ  وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ).

 

أما الإرضاع التضليلي فهو الأخ الشقيق لمصطلح الإرضاع الترفيهي الذي أطلقه بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي عام 1995م ملخِّصًا برتوكول عمل السياسة الأمريكية في السيطرة على 80 % من سكان العالم بواسطة إغراقهم بالترفيه والمسلِّيات والمُلهيات لأجل تهدئتهم وتنويمهم وتسكينهم لصرف الانتباه والتفكير عن مجريات ونتائج الاستغلال والتسخير لصالح رفاهية القوة العظمى المسيطرة ؛ ليكونوا في حالة تشبُّع وَهْميّ ورِضى عن ذلك وتَقَبُّل له.

 

فالإرضاع التضليلي والترفيهي شقيقان من ذات رَحِمٍ واحدة هي رَحِم ( دَسُّ السُمّ في العسل)، لكن الإرضاع التضليلي يختلف في العديد من الغايات والآليات والوسائل، فغايته الأساسية تذويب الذاتيات الاستقلالية واستلاب الهُوية الحضارية للأمة واستبدالها بمَسْخٍ كِيانيٍّ تابعٍ عديم الأصالة؛ وذلك من خلال تزييف الوعي.. 

بجعلك تنشغل بمَنْ لستَ أنتَ؛ لإلهائك عمَّنْ تكون أنت، ومن ثَمَّ إبعادك شيئًا فشيئًا عن الغاية التي من أجلها خُلِقْتَ؛ فتفقد البوصلةَ وتفتقد القوة الدافعة المحركة لتحقيق تلك الغاية؛ مما يجعل الأمة دون سياجٍ واقٍ؛ أو دِرْعٍ حافظ د؛ أو مناعة ذاتية تحصينية، فتسقط فريسةً سهلة للتبعية في المعترك الأممي؛ وتكون نَهْبًا  للتسلط والاستغلال الإمبريالي.

 

وربما يكون التنوير الزائف أبرز مداخل تزييف الوعي؛ لأنه في واقع الأمر لا يحرر الإنسان من الخرافة والجهل بل يقود إلى تحرير الإنسان من التزاماته ومسؤولياته الدينية والأخلاقية والحضارية؛ فيصبح مُنفلتًا طليقًا  يفعل ما يشاء بصرف النظر عن النتائج الثلاثة الكارثية لتلك الحرية المُنفلتة نتاج  التنوير الزائف..

 

والمتمثلة في:
1- الأثر السلبي لأفعال الفرد ضحية الوعي الزائف على الأسرة والمجتمع بانحرافه عن منظومة القيم الدينية والأخلاقية الحاكمة.
2-  أنه لا توجد حرية مطلقة في العالم إلا للمجانين.


3- الحرية المزعومة التي يدعو إليها تجار الحداثة والوعي الزائف عبارة عن نقل الفرد من سلطة الدين إلى سلطة أيديولوجية ثقافية غربية بوصاية أكثر صرامة على العقل، وتوجيهه نحو ما يجب وما لا يجب وما يصح وما لا يصح؛ فتحُل سُلطة الأيديولوجيا اللادينية اللأخلاقية محل السلطة الدينية الرشيدة.

 

وتستهدف عمليات تزييف الوعي استلاب أو مسخ ركائز الهُوية الثلاثة:
- الدين الإسلامي الحضاري؛ لأن القائمين بعمليات الإرضاع التضليلي من دوائر العلمانية وتجار الحداثة وأدعياء التنوير لا يستطيعون الاقتراب من الديانات الأُخر خوف عقوبة إثارة الفتن الطائفية، أو عقاب انقطاع التمويلات الأجنبية من الرعاة الغربيين. 
- اللغة العربية
- الموروث الحضاري

وهذه العمليات تتخذ أساليب مختلفة من خلال بروتوكولات الإرضاع التضليلي؛ مما يطلق عليه الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي: (تبريد جهنم).


إذ يُقدَّم هدم الثوابت على أنه تحرُّر، ويُطرح الانفصام النكد عن الدين على أنه عقلانية، ويُطالَب بإضعاف الهوية على أنه عولمة وعالمية، ويُنقض  المقدَّس بالفجاجة  والسخرية تحت راية الشجاعة الأدبية.

ففي تكتيكات الإرضاع التضليلي لا يُطالب الإنسان بمحبة الشر بوصفه شرًّا  لكن يُعاد له تعريف الشر ليُصبح خيرًا، وتُعاد تسمية الانحراف ليصبح تقدمًا، وتُعاد صياغة الرذيلة لتصبح حرية شخصية.


وفي تكتيكات الإرضاع التضليلي كذلك لن تكون الحرب على الدين الإسلامي حربًا لهدم المساجد، وإنما حرب لهدم القيم والمعاني التي يكون بها الإنسان مسلمًا، فيصبح الإيمان مجرد عادة اجتماعية، وتصبح الأخلاق نسبية بلا معيار، ويصبح تسليع المرأة وتجريدها من كرامتها دفاعا عن حقوقها، 
ويصبح الوحي نصًّا تاريخيا عديم  المقدرة على توجيه الحاضر، وتصبح الشريعة مجرد مرحلة تاريخية.

 

ومن بروتوكولات الإرضاع التضليلي المخيفة (صناعة الدين الإشكالي المتخلف والمأزوم)؛ وذلك بتكتيكات عدة منها:

1- دمْغ المتدين استباقيًا بسلسلة من الأوصاف التنقيصية ورميه بحفنة من الألقاب الانحرافية، مثل: (داعشي، ظلامي، رجعي، إرهابي، متطرف).
 

2- صناعة صورة ذهنية شائهة من خلال الخطابات الجدلية التي تقدم المتدين بوصفه خصمًا افتراضيًا، فتصنع له نموذجًا هشًّا ثم تهزمه بسهولة؛ لأنه ليس الحقيقة، فيصبح المتدين في خطاب الإرضاع التضليلي جاهلًا، والمرأة عنده مضطهدة، والدين عنده عدوٌّ للعلم، والفقه كله جمود، وتراثه الحضاري كله تخلف. 
 

3- قتل كل قيمة من قيم التدين النبيلة المميزة له سواء أكانت دينية أم أخلاقية أم حضارية أم اجتماعية.. ولعل أحدث الأمثلة على ذلك واقعة الفتاة لُجَين خليفة خريجة كلية طب قصر العيني التي ظهرت بمشهد إعلاني في هيئة فتاة ريفية محتشمة، لكن دهاقنة الإرضاع التضليلي المهيمنين على الشؤون الثقافية والتعليمية والفنية قد سارعوا إلى استلاب تلك الصورة المحتشمة ودلالاتها؛ ليقوموا بتقديم الفتاة في مظهر متعارض مع مظاهر الحشمة والوقار بملابس غير كاسية.. 

لترقص متمايلة على الأنغام الصاخبة بصحبة فنانٍ مُتصابٍ أمام جمهور حاشد؛ لتغدو ترندًا إعلاميًا في وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها الطبيبة الراقصة؛ وذلك إمعانًا في تسليعها وإسقاط مكانة الطبيبة العلمية وهيبتها الاجتماعية ودورها الإنساني في علاج المرضى، تلك المكانة التي جعلت الشاعر يقرنها بدور المعلم واجب التقدير والاحترام:
 

إنَّ المُعَلِّم والطبيبَ كِلَيهما 
لا يَنصحان إذا هُمَا لم يُكْرَما..
فاصبِرْ لدائِك إنْ جَفَوتَ طبيبَه 
واصبرْ لجهلك إنْ جَفَوْتَ مُعَلِّما.

وكذلك للتأكيد على أن أواصر الأضواء والشهرة والمال تمتد عَبْر الرقص واللهو وعدم الاحتشام؛ ولا تتأتَّى عَبْر العلم والقيم والاجتهاد، فيتم قَتْل هذه القيم في نفوس الناشئة والشباب حَمَلَة راية البناء الحضاري للمستقبل.

 

4- التشويه الفني المتعمَّد لمُعلِّم اللغة العربية والتربية الدينية بتقديمه بصورة كاريكاتورية هزلية ساخرة في شخص أستاذ حَمَام في فيلم غزل البنات مع أغنية (أبجد هوز حطي كلمن شكل الأستاذ بقى منسجم)، وكذلك في فيلم  السفيرة عزيزة بأداء هزلي من الفنان عبد المنعم إبراهيم في زِيٍّ أزهري، وفي فيلم شباب امرأة الذي قام فيه الفنان شكري سرحان بدور معلم اللغة العربية الذي يمارس الخطايا الأخلاقية المخالفة للفضائل التي ينبغي أن يقوم بتعليمها للتلاميذ.

5- إقصاء رموز العلوم الإسلامية عن منصات التقدير والتكريم بعدم  ترشيح أو فوز المتخصصين في الدراسات الإسلامية بجوائز الدولة التقديرية -مثلا- على مدار ربع القرن الحالي رغم منحها بشعبة الآداب لأكثر من خمسة وسبعين فائزا؛ ورغم فوز المتغافَل عنهم  من ذوي الاستحقاق بجائزة الملك فيصل العالمية في ذات التخصص.

الجريدة الرسمية