رئيس التحرير
عصام كامل

صلاة المطاعم

18 حجم الخط

المشكلة دوما ليست في الصلاة نفسها، وإنما في المكان الذي اخترنا أن نصلي فيه، وفي الرسالة التي يمكن أن يفهمها الآخرون من هذا الاختيار. وهذا بالضبط ما يجعل واقعة منع سيدة من الصلاة داخل أحد المطاعم الشهيرة في مول تجاري بمدينة 6 أكتوبر تستحق قدرا من الهدوء أكثر مما تستحقه من الصراخ. 

 

الواقعة أثارت جدلا واسعا، وانقسم الناس حولها بين من رأى أن منع الصلاة أمر غير مقبول، ومن رأى أن المطعم ليس مكانا للصلاة، خصوصا مع وجود مصلى قريب داخل المول، وبين فريق ثالث دخل مباشرة إلى معركة أكبر من الواقعة نفسها، فحوّلها إلى معركة بين الدين واللادين، أو بين التدين والعلمانية.


وهنا، في رأيي، ضاعت النقطة الأهم. لأن السؤال الحقيقي ليس.. هل يجوز للإنسان أن يصلي في مطعم؟ السؤال الأدق هو.. إذا كان الإنسان يستطيع أن يصلي في مكان مخصص للصلاة وقريب جدا منه، فما الحكمة من اختيار مكان آخر أمام العاملين والزبائن، خصوصا إذا كان هذا المكان في الأصل مخصصا للأكل والعمل وخدمة الجمهور؟


الإجابة الشرعية الأولى واضحة في أصلها.. الصلاة لا تحتاج بالضرورة إلى مسجد حتى تصح. النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الأرض جُعلت له مسجدا وطهورا، وأن من أدركته الصلاة يصلي حيث أدركته، وهو أصل ثابت في الصحيحين.


إذن لا يوجد في الإسلام ذلك التصور الذي يجعل الصلاة مرتبطة دائما بمبنى اسمه مسجد. الإنسان يمكنه أن يصلي في أماكن كثيرة متى كان المكان طاهرا وتحققت شروط الصلاة، ولهذا كان المسافر والعامل ومن أدركته الصلاة في الطريق يستطيع أن يصلي دون أن يبحث بالضرورة عن مسجد.
لكن هذه القاعدة لا تعني أن كل مكان مباح للصلاة يصبح بالضرورة أفضل مكان للصلاة. وهذه نقطة مهمة جدا.


هناك فرق بين أن أقول: إن الصلاة في مكان ما صحيحة، وبين أن أقول إن اختيار هذا المكان هو التصرف الأفضل والأكثر حكمة. لو كنت في شارع، وحان وقت الصلاة، ولا يوجد حولي مسجد أو مصلى أو مكان مناسب، فليس منطقيا أن أترك الصلاة حتى ينتهي وقتها لأن المكان المثالي غير موجود. أصلي في المكان الطاهر المناسب، وانتهى الأمر.


أما إذا كنت داخل مول ضخم، وهناك مصلى مخصص للصلاة على بعد دقائق قليلة، فهنا تتغير الصورة. ليس لأن الصلاة في المطعم أصبحت حراما، ولا لأن الإسلام وضع لافتة تقول ممنوع الصلاة في المطاعم، وإنما لأن اختيار المكان يصبح مسألة تقدير ومراعاة للآخرين وتنظيم للمكان.


المطعم في النهاية ليس مسجدا، وليس مصلى عاما، وإنما هو منشأة لها وظيفة محددة.. استقبال الزبائن، وتقديم الطعام، وإدارة العاملين، وتنظيم الطاولات والحركة داخل المكان.
 

والصلاة، خصوصا بالنسبة للمرأة، تحتاج أيضا إلى مساحة مناسبة من الخصوصية والستر والهدوء. فإذا كان المصلى قريبا جدا، وفيه مكان مخصص ومهيأ لهذا الغرض، فأنا شخصيا أرى أن الذهاب إليه هو التصرف الأكثر عقلانية وهدوءا، وليس فيه أي انتقاص من الدين أو من الصلاة.
بل ربما يكون فيه احترام للصلاة نفسها.


لأننا أحيانا نتعامل مع العبادة وكأن إثبات القيام بها أمام الناس جزء من العبادة، بينما جوهر الصلاة أنها علاقة بين الإنسان وربه، وليست عرضا عاما لإثبات التدين. وهنا تأتي مشكلة أخرى أخطر من واقعة المطعم نفسها. هل كل ممارسة دينية أمام الناس تصبح بالضرورة أفضل لأنها أكثر ظهورا؟
الإجابة بالتأكيد لا.


التاريخ الإسلامي نفسه يعرف مواقف كان فيها تجنب مكان معين أو ترك فعل معين مرتبطا بالخوف من أن يتحول المكان أو الفعل مع الوقت إلى رمز ديني لم يشرعه الإسلام. ومن أشهر الأمثلة الثابتة قصة مرور النبي صلى الله عليه وسلم بأرض ثمود. 

فعندما مر بالحِجر، نهى أصحابه عن دخول مساكن القوم الذين ظلموا أنفسهم إلا أن يكون دخولهم على سبيل الاعتبار والخوف والبكاء، حتى لا يتعامل الإنسان مع المكان كأنه مكان عادي للنزهة أو التبرك. والفكرة هنا ليست أن كل مكان شهد معصية يصبح محرما إلى الأبد، وإنما أن السياق والرمزية والمعنى الذي يحمله المكان قد يكون له اعتبار في السلوك الديني.


وهذا يقودنا إلى مثال آخر كثيرا ما يُستشهد به في هذا الباب، وهو قصة شجرة بيعة الرضوان.
توجد رواية مشهورة أن بعض الناس صاروا يأتون إلى الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بقطعها خشية أن تتحول إلى موضع يتعلق به الناس. 

هذه القصة وردت في كتب التاريخ والآثار، لكن سندها إلى عمر محل نقاش بين أهل الحديث، بينما الثابت في صحيح البخاري أن الصحابة أنفسهم لم يعودوا يعرفون موضع الشجرة في العام التالي، ولذلك لا يصح أن نقدم قصة قطعها باعتبارها حديثا صحيحا قطعيا بلا تحفظ.


لكن حتى مع هذا التحفظ العلمي، فإن الفكرة العامة التي نبحث عنها هنا لها أمثلة واضحة في التراث الإسلامي.. ليس كل ما يمكن فعله ينبغي أن يتحول إلى ممارسة متكررة، وليس كل مكان ارتبط بعبادة مشروعة ينبغي أن يتحول إلى مكان ديني مستقل في وعي الناس. وهذا هو الفارق بين الفقه وبين الاستعراض.


قد يصلي الإنسان في مكان مباح، لكن إذا كان هناك مكان مخصص للصلاة قريب منه، فاختياره للمكان المخصص أكثر اتساقا مع طبيعة المكان وأقل إثارة للجدل وأبعد عن إحراج الآخرين. وفي المقابل، يجب ألا نصل إلى الطرف الآخر من الحكاية ونبرر لصاحب المطعم أن يمنع شخصا من الصلاة لمجرد أنه لا يحب أن يرى الصلاة في المكان. هذا أيضا غير مقبول.
 

إذا أدركت سيدة وقت الصلاة داخل مول، وكان المصلى موجودا، فمن حق إدارة المطعم أن تقول لها بكل احترام.. لدينا مصلى في المول، ويمكنك الصلاة هناك. أما أن تتحول المسألة إلى إهانة أو سخرية أو طرد أو معاملة الصلاة باعتبارها فعلا مشينا، فهنا نحن أمام مشكلة مختلفة تماما. الاحترام يجب أن يكون متبادلا. المطعم يحترم دين الزبون، والزبون يحترم طبيعة المكان الذي دخل إليه.
 

العامل الذي يقضي ساعات طويلة في مطعم ليس مطالبا بأن يحول المطعم إلى مسجد، كما أن صاحب المطعم ليس مطالبا بأن يعادي الصلاة. والزبون الذي يريد أن يصلي ليس مضطرا إلى تحويل طاولة الطعام إلى محراب إذا كان هناك مصلى مجهز على بعد خطوات.
 

المسألة ببساطة يمكن أن تنتهي بجملة واحدة.. صلي ولكن اختر المكان الذي يناسب الصلاة والمكان والناس. وهناك معنى آخر أعتقد أننا بحاجة إلى استعادته في حياتنا الدينية، وهو أن العبادة ليست مسابقة في إثبات الذات.


لا تصبح الصلاة أكثر إسلاما لأن عشرين شخصا شاهدوك وأنت تصلي، ولا تصبح أقل إسلاما لأنك ذهبت إلى مكان هادئ لا يراك فيه أحد. بل ربما كان العكس في بعض الأحيان. هناك أشياء يكون جمالها في أنها لا تحتاج إلى جمهور.
 

ولهذا فإن تحويل كل خلاف صغير إلى معركة كبرى حول الدين أصبح مشكلة في حد ذاته. نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الكاميرا حاضرة قبل أن تكون الحكمة حاضرة، وأصبح السؤال أحيانا ليس ماذا أفعل، وإنما كيف سيبدو ما أفعله على وسائل التواصل الاجتماعي.


وهنا تحديدا يجب أن نحذر. لأن الصلاة ليست محتوى. والدين ليس ساحة لإثبات من انتصر في التعليقات. ولو كان المصلى قريبا جدا، وكان الوصول إليه لا يستغرق إلا دقائق، فلا أرى في ذهاب السيدة إليه أي تنازل عن حقها في الصلاة، ولا أرى في اقتراح إدارة المطعم لذلك إهانة للدين.


وفي المقابل، لو لم يكن هناك مصلى، أو كان الوصول إليه متعذرا، أو كانت الصلاة ستفوت وقتها، فهنا يصبح الأمر مختلفا، ويكون البحث عن مكان طاهر ومناسب للصلاة هو الأولى، ولا يجوز أن تتحول سياسة المطعم إلى ذريعة لمنع شخص من أداء عبادته.


المشكلة إذن ليست في صلاة المطاعم. المشكلة في أننا أصبحنا نريد أن نضع لكل شيء لونا واحدا.. إما مع الدين أو ضده، إما مع السيدة أو ضدها، إما مع المطعم أو ضده. بينما الحياة أكثر تعقيدا من ذلك.
 

يمكنني أن أرفض أسلوب منع الصلاة أو إهانة من يريد الصلاة، وفي الوقت نفسه أقول إن الذهاب إلى المصلى القريب كان سيكون أكثر ملاءمة. ويمكنني أن أؤكد أن الأرض كلها موضع للصلاة في أصل الحكم، وفي الوقت نفسه أقول إن اختيار المكان ليس مسألة فقهية فقط، بل مسألة ذوق واحترام وتنظيم ووعي بالآخرين.


الدين لا يحتاج إلى أن نضعه فوق الطاولات حتى يثبت وجوده. والصلاة لا تحتاج إلى جمهور حتى تكون صلاة. وأحيانا يكون أكثر التصرفات تدينا أن تعرف أين تفعل الشيء الصحيح، ومتى تفعله، وكيف تفعله دون أن تؤذي أحدا أو تحرج أحدا أو تحول العبادة إلى معركة لا علاقة لها بالعبادة أصلا.
وهذا، في النهاية، هو ما ينقصنا في قصة صلاة المطاعم وغيرها من القصص المشابهة.. ليس مزيدا من التدين في الصورة، وإنما قليل من الفقه، وقليل من الحكمة، وقليل جدا من احترام بعضنا بعضا.

الجريدة الرسمية