تمارين على القتل
هناك من يتابع أخبار الجريمة بدافع الفضول، وهناك من يقرأها بحثا عن الإثارة، بينما أراها أنا واحدة من أهم الوثائق التي تكشف حقيقة المجتمع، فالجريمة ليست جثة أو قاتل أو محضر شرطة، أو حكم قضائي.. الجريمة في حقيقتها عملية تشريح كاملة للمجتمع، تكشف ما يجري داخله من تغيرات، وما يعتمل في نفوس أفراده من ضغوط، وما فشلت المؤسسات المختلفة في اكتشافه قبل أن يتحول إلى دماء.
ولهذا أولي ملف الجريمة، في مصر كما في العالم، مساحة كبيرة من اهتمامي ليس لأنني مفتون بالعنف، وإنما لأنني مؤمن بأن كل جريمة تحمل رسالة، وكل قاتل يخفي وراءه قصة، وكل ضحية تكشف عن خلل ربما لم يلتفت إليه أحد.
فالصحفي الذي يكتفي بكتابة أن شخصا قتل آخر، لم يخبرنا إلا بخبر انتهى، أما الصحفي الذي يسأل لماذا قتل؟ وكيف وصل إلى هذه اللحظة؟ وما الذي كان يمكن أن يمنع وقوع الجريمة؟ فهو الذي يبدأ فعلا في فهم المجتمع.
إن السؤال الحقيقي ليس من القاتل؟ بل كيف صنع هذا القاتل؟ هل صنعته أسرة مفككة؟ أم بيئة غاب عنها القانون؟ أم ضغوط اقتصادية مزمنة؟ أم اضطراب نفسي لم يشخص؟ أم ثقافة تمجد العنف؟ أم إعلام يبيع الدم باعتباره مادة للترفيه؟ أم مواقع تواصل اجتماعي جعلت الشهرة أهم من الحياة نفسها؟
كل هذه الأسئلة أهم من عدد الطعنات، وأهم من نوع السلاح، وأهم حتى من تفاصيل التنفيذ التي تتحول أحيانا إلى مادة يتداولها الناس وكأنها مسلسل جديد.
أتعمد دائما أن أقرأ الدراسات الجنائية، وتقارير علم الإجرام، وأبحاث علم النفس الجنائي، لأنني مقتنع بأن الجريمة ليست حدثا منفصلا عن المجتمع، وإنما هي أحد نواتجه الطبيعية.
فكما يقيس الطبيب حرارة الجسد ليعرف وجود المرض، تقيس الدول المتقدمة مؤشرات الجريمة لتعرف درجة صحة المجتمع. ولهذا لا تنظر أجهزة العدالة الحديثة إلى الإحصاءات باعتبارها أرقاما فقط، وإنما باعتبارها إشارات إنذار.
ارتفاع جرائم الأسرة له معنى. زيادة جرائم المراهقين لها معنى. انتشار الاحتيال الإلكتروني له معنى. تزايد جرائم المخدرات له معنى. بل حتى طريقة ارتكاب الجريمة نفسها تحمل دلالات اجتماعية وثقافية ونفسية.
ولعل أخطر ما تغير خلال العقود الأخيرة أن دوافع الجريمة نفسها لم تعد كما كانت. في الماضي كانت أغلب الجرائم تدور حول المال أو الثأر أو الانتقام. اليوم أصبحنا أمام دوافع أكثر تعقيدا. مشاجرة بسبب تعليق على الإنترنت. جريمة بسبب بث مباشر. شاب يقتل من أجل هاتف. أب يقتل أبناءه تحت ضغط الديون. مراهق يرتكب جريمة تقليدا لمشهد شاهده عشرات المرات.
بل إن بعض القتلة لم يعودوا يبحثون عن الهروب، وإنما عن الشهرة. وهنا ندرك أننا لا نعيش فقط تغيرا في الجريمة، بل تغيرا في الإنسان نفسه. من يراجع التاريخ سيكتشف أن لكل عصر جرائمه. في أوروبا، خلال الثورة الصناعية، ارتبطت الجرائم بالفقر المدقع والهجرة إلى المدن.
وفي الولايات المتحدة ظهرت موجات الجريمة المنظمة مع تجارة الكحول والمخدرات. وفي اليابان انخفضت معدلات الجرائم العنيفة، بينما ارتفعت بعض الجرائم المرتبطة بالعزلة الاجتماعية والاحتيال على كبار السن. وفي أمريكا اللاتينية ارتبطت جرائم كثيرة بعصابات المخدرات وضعف الدولة في بعض المناطق.
إذن الجريمة ليست مجرد قرار فردي، وإنما انعكاس مباشر للبيئة التي يعيش فيها الإنسان. وفي مصر، ورغم أن معدلات الجريمة العنيفة تظل أقل بكثير من دول عديدة، فإن طبيعة بعض الجرائم تغيرت بصورة تستحق الدراسة.
لم تعد القضية في عدد الجرائم فقط، وإنما في نوعيتها. جرائم داخل الأسرة. جرائم بسبب خلافات تافهة. جرائم يرتكبها أشخاص بلا سوابق. جرائم توثق بالفيديو. جرائم تتحول إلى ترند. وهذا كله يستحق أن نتوقف أمامه. ليس لإصدار الأحكام، بل لفهم الأسباب.
وأخشى ما أخشاه أن يتحول تعاملنا مع الجريمة إلى مجرد استهلاك إعلامي. كاميرا أمام المنزل. ميكروفون في يد المراسل. مانشيت صادم. ثم ننتقل إلى الجريمة التالية. أما السؤال الحقيقي فيضيع. لماذا؟ كيف؟ وماذا بعد؟ ولهذا أرفض دائما تحويل القاتل إلى بطل.
بعض وسائل الإعلام -بقصد أو بغير قصد- تصنع من المجرم شخصية مشهورة، فتكرر اسمه وصوره وحياته، حتى يصبح معروفا أكثر من الضحية نفسها. وهذا خطأ مهني وأخلاقي. لأن المجتمع يجب أن يتعلم من الجريمة، لا أن يمنحها بريقا.
ومن أخطر ما تكشفه دراسة الجرائم أن المجتمع قد يرسل إشارات تحذير قبل سنوات من الانفجار، لكن أحدا لا ينتبه إليها. طفل يمارس العنف باستمرار. مراهق يعذب الحيوانات. شاب يهدد الجميع بالسلاح. زوج يمارس العنف اليومي. موظف يعيش عزلة حادة.
كلها مؤشرات قد تبدو بسيطة إذا نظرنا إليها منفصلة، لكنها حين تتجمع ترسم صورة مقلقة تستحق التدخل قبل أن تتحول إلى كارثة. ولهذا فإن الوقاية من الجريمة تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم الإعلام، ثم المؤسسات الدينية والثقافية، ثم أجهزة الدولة. فالسجن يعالج ما وقع، أما المجتمع الواعي فيمنع كثيرا من الجرائم قبل أن تولد.
وأعتقد أن الوقت قد حان لأن يصبح لدينا في العالم العربي اهتمام أكبر بعلم الإجرام، لا باعتباره تخصصا أمنيا فحسب، بل باعتباره علما يقرأ المجتمع. نحتاج إلى مراكز بحث تدرس التحولات الجنائية عاما بعد عام. نحتاج إلى قواعد بيانات دقيقة. نحتاج إلى تعاون بين علماء النفس والاجتماع والقانون والإعلام. ونحتاج قبل كل شيء إلى أن نتوقف عن التعامل مع الجريمة باعتبارها خبرا ينتهي بانتهاء نشرة الأخبار.
إنني حين أقرأ ملف جريمة، لا أبحث عن اسم القاتل، بل أبحث عن اسم المرض الذي أصاب المجتمع. وحين أقرأ حكما بالإعدام أو بالسجن المؤبد، أعرف أن العدالة أخذت مجراها، لكنني أتساءل هل عالجنا السبب الذي أنتج هذه الجريمة؟ أم أننا ننتظر الضحية القادمة؟
فالعدالة تعاقب المجرم، أما الحكمة فتعالج البيئة التي صنعت المجرم. وهذا هو الفارق بين مجتمع يكتفي بإحصاء الضحايا، ومجتمع يقرأ الجريمة باعتبارها إنذارا مبكرا لما قد يأتي. أخبار الجريمة
ولهذا سأظل مؤمنا بأن الجريمة ليست صفحة حوادث، بل صفحة من كتاب المجتمع الكبير. ومن يحسن قراءتها، يستطيع أن يفهم الحاضر، ويستشرف المستقبل، وربما يمنع الجريمة التالية قبل أن تكتب في محضر رسمي أو تتصدر عناوين الصحف.
