رئيس التحرير
عصام كامل

أشرف سيد يكتب: في أزمة طرة البلد.. محافظة القاهرة تكسر الخواطر.. والرئيس يجبرها

محافظ القاهرة
محافظ القاهرة
18 حجم الخط

دائما ما يحرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على أن يكون البعد الإنساني حاضرا في كلماته وتعاملاته ولقاءاته، خاصة عندما يلتقي البسطاء من أبناء الوطن.

وعلى النقيض تماما، تبدو بعض المشاهد الصادرة عن مسؤولين تنفيذيين، وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس تماما.. شخط ونطر وزعيق وإساءة في التعامل واستعراض للنفوذ أمام كاميرات التصوير، وكأن الصوت المرتفع هو دليل القوة، وأن إحراج المواطن أو الموظف البسيط هو عنوان الحسم والقدرة على الإدارة!!

والواقع يؤكد أن الإدارة ليست بالصوت المرتفع.. ولا بإهانة إنسان بسيط يقف أمام مسؤول، ولا بتحويل الكاميرا إلى وسيلة لاستعراض القوة.

الشطارة الحقيقية في الإدارة أن تحقق أفضل النتائج، ولكن بكل ذوق واحترام ونزاهة.. أن تكون قويا في القرار دون أن تكون قاسيا على الناس.. وأن تستطيع أن تقول: لا إذا كان القانون يقول: لا، ولكن دون أن تكسر خاطر إنسان.

هذه هي الفلسفة الإنسانية التي تبدو واضحة في كثير من مواقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي انعكست أيضا في المبادرة الكبرى “حياة كريمة”.. فالاسم نفسه يحمل رسالة قبل أن يحمل مشروعا.

المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”

فـ"حياة كريمة" للإنسان البسيط وللأسرة التي ظلت سنوات تنتظر فرصة أفضل، وللأب الذي يريد أن يطمئن على مستقبل أبنائه وللأم التي لا تطلب أكثر من أن يعيش أولادها في أمان وستر وتعليم جيد وخدمات تليق بآدميتهم.

فإذا كانت الدولة قد اختارت “حياة كريمة” عنوانا لمشروعها في تطوير القرى الفقيرة والمناطق الأكثر احتياجا فإن الكرامة لا ينبغي أن تكون في تحسين الطرق والمساكن والخدمات فقط، وإنما يجب أن تكون أيضًا في طريقة تعامل المسؤول مع المواطن.

السؤال الذي يفرض نفسه في مشهد طرة البلد

أهالي منطقة “طرة البلد” لا يتحدثون عن حجارة أو مبانٍ فقط، وإنما عن بيوت عاشوا فيها سنوات طويلة وعن أسر لها ذكريات وعن أطفال يذهبون إلى مدارسهم، وعن أصحاب أرزاق يومية يخشون أن يضيع مصدر دخلهم وعن كبار سن ارتبطت حياتهم بهذا المكان.
وبعيدًا عن أي جدل حول مشروعات التطوير أو ما إذا كانت بعض المنازل تقع بالفعل داخل خط أي مشروع من عدمه، فإن السؤال الإنساني البسيط الذي يستحق إجابة واضحة هو: هل بيوتنا في خط المشروع أم لا؟

ما طبيعة المشروع 

السؤال ليس تحديا للدولة ولا اعتراضا على التطوير ولا رفضا لمصلحة عامة.. وإنما هو طلب للمعرفة والطمأنينة.

الناس تريد أن تعرف ماذا سيحدث لبيوتها ومتى، ولماذا وما طبيعة المشروع وما أساسه وكيف ستتم الإجراءات، وكيف سيتم التعامل مع الأسر وأبنائها وأرزاقها.

 التواصل الرسمي الواضح

وفي مثل هذه المواقف، يكون التواصل الرسمي الواضح رحمة قبل أن يكون إجراء إداريا.

فالأسرة التي تسمع عن لجان حصر ستنزل إلى منطقتها لا تحتاج إلى أن تخاف من اللجنة وإنما تحتاج أن تعرف مهمتها وحدود عملها وماذا سيترتب عليها وما حقوقها القانونية ومن سيتحدث معها ويجيب عن أسئلتها.

والأجمل أن يشعر المواطن أن المسؤول جاء إليه ليشرح ويطمئن ويستمع لا ليصيح أو يهدد أو يستعرض سلطته.
الرئيس السيسي كثيرا ما يوجه المسؤولين إلى النزول إلى الشارع والاستماع إلى المواطنين لأن الدولة القوية ليست الدولة التي يخاف منها المواطن، وإنما الدولة التي يثق فيها المواطن.

وفي النهاية قد يستطيع مسؤول أن يفرض قرارا  وقد تستطيع كاميرا أن تسجل مشهدا يبدو فيه المسؤول شديد الحسم لكن هناك شيئا لا تستطيع الكاميرات أن تخفيه.. أثر الكلمة في قلب الإنسان.

كلمة طيبة قد تطمئن أسرة كاملة وشرح واضح قد يطفئ شائعة وابتسامة من مسؤول قد تزيل خوفًا ظل يلازم مواطنا أياما.

أما الصراخ والإهانة وكسر الخواطر فلا تصنع إدارة ناجحة ولا تبني ثقة بين المواطن والدولة.

الدولة التي اختارت “حياة كريمة” عنوانا لمشروعها الأكبر مع البسطاء تستحق أن تكون الكرامة حاضرة أيضا في كل مكتب وكل لجنة وكل شارع وكل لقاء بين مسؤول ومواطن.

والرسالة ليست إلى مسؤول بعينه وإنما إلى كل من يحمل أمانة إدارة شؤون الناس: كن حازما كما تشاء ولكن لا تكن قاسيا.. نفذ القانون ولكن لا تهن إنسانا.. حقق الإنجاز ولكن لا تجعل المواطن يدفع ثمنه من كرامته.

ففي النهاية.. قد ينسى الناس القرار وقد ينسون اسم المسؤول لكنهم لا ينسون أبدا كيف جعلهم المسؤول يشعرون وهم يقفون أمامه.

محافظة القاهرة تكسر الخواطر.. والرئيس يجبرها

المؤلم في الأمر أن أهالي طرة البلد لا يطلبون المستحيل ولا يرفضون حق الدولة في التطوير، وإنما يطلبون فقط أن يسمعهم أحد، وأن يعرفوا مصير بيوتهم قبل أن يعرفه أي شخص آخر، وحتى الآن تظل أمام محافظة القاهرة أسئلة مشروعة طرحها الشارع ولم يجد أصحابها إجابات رسمية واضحة تشفي صدورهم وتضع حدًا للقلق الذي تعيشه الأسر.

وهنا تحديدًا يبدو الفارق بين أن تكسر الخاطر وأن تجبره فالمواطن الذي يشعر أن صوته لا يصل إلى المسؤول وأن أسئلته لا تجد إجابة يشعر أنه وحده في مواجهة المجهول.. بينما يكفي أن ينزل المسؤول إلى الشارع ويجلس مع الناس ويشرح لهم الحقيقة كاملة، ليعيد إليهم شيئًا من الطمأنينة والثقة.

أسئلة مشروعة

فهل هناك بالفعل مشروع لتطوير طرة البلد؟ وما القرار الرسمي الذي يستند إليه؟ وما طبيعة المشروع وأهدافه والجهة المنفذة له؟ وهل منازل الأهالي تقع بالفعل داخل خط المشروع أم خارج نطاقه؟ وما الذي ستقوم به لجان الحصر تحديدًا؟ ومتى تبدأ أعمالها، وما المناطق التي ستشملها؟ وهل الحصر يعني بالضرورة الإزالة أم أنه إجراء تمهيدي فقط؟ وما مصير الأسر إذا ثبت دخول منازلها ضمن نطاق المشروع؟ وهل ستكون هناك بدائل سكنية أم تعويضات مالية فقط؟ وكيف سيتم التعامل مع المدارس والطلاب وأصحاب المحال وأصحاب الدخول اليومية؟ وهل توجد دراسات اجتماعية وإنسانية للآثار المترتبة على أي إزالة محتملة؟

هذه ليست أسئلة خصومة، وإنما أسئلة بيوت تخشى على مستقبلها، وأسر تريد أن تنام وهي تعرف ماذا ينتظرها في الغد.

والأهم من كل ذلك: لماذا لا يكون هناك لقاء معلن ومفتوح بين محافظة القاهرة وأهالي طرة البلد، يسمع فيه المسؤولون الناس، وتُعرض أمامهم الخرائط والقرارات والمخططات، وتُقال الحقيقة كاملة دون وسيط أو شائعة أو اجتهاد؟

هنا نتمنى من محافظ ةالقاهرة أن تستمع إلى صوت الشارع بنفسها، وأن يذهب قيادات المحافظة إلى الناس أو يدعوهم إلى لقاء واضح ومعلن لأن بعض الملفات لا تحتاج إلى بيانات بقدر ما تحتاج إلى مسؤول يجلس أمام مواطن خائف ويقول له الحقيقة.
وإذا كانت الدولة قد جعلت من حياة كريمة عنوانا لسياساتها تجاه المواطن البسيط فإن أهالي طرة البلد لا يطلبون أكثر من أن يشعروا بهذه الكرامة في التعامل معهم وأن يعرفوا الحقيقة كاملة، وأن يُسمع صوتهم قبل اتخاذ أي خطوة تمس بيوتهم وحياتهم

فمحافظة القاهرة قد تكسر الخواطر حين تصمت عن أسئلة الناس.. لكن الرئيس بتوجيهاته الإنسانية الدائمة يستطيع أن يجبرها حين يجعل صوت المواطن يصل إلى المسؤول.

الجريدة الرسمية