رئيس التحرير
عصام كامل

باحث سياسي: حرب السودان تدخل مرحلة أكثر تعقيدا.. وكردفان تتحول إلى مركز الثقل العسكري

محمود سامح همام
محمود سامح همام
18 حجم الخط

أكد محمود سامح همام، الباحث السياسي المتخصص في الشأن الأفريقي، أن الحرب السودانية دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا خلال سبتمبر 2026، في ظل استمرار تقدم الجيش السوداني في عدد من مناطق كردفان، بالتزامن مع تصاعد حدة القتال في دارفور والنيل الأزرق.

وأوضح همام، في تصريحات خاصة لـ«فيتو»، أن التطورات الميدانية الأخيرة تعكس تحول مركز الثقل العسكري في الحرب من العاصمة إلى الأقاليم التي تتحكم في طرق الإمداد والاتصال بين مناطق النفوذ المختلفة.

كردفان.. الجبهة الأهم في المرحلة الحالية

وأشار الباحث السياسي إلى أن كردفان باتت تمثل الجبهة الأهم في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط وسط وشرق السودان بمناطق نفوذ قوات الدعم السريع في دارفور.

ولفت إلى أن الجيش السوداني تمكن خلال الأسابيع الماضية من استعادة عدد من المناطق والطرق المهمة، من بينها بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، وهو ما عزز قدرته على التحرك غربًا وزيادة الضغط على مواقع الدعم السريع.

الجيش السوداني يسعى لإعادة تشكيل المجال العملياتي للحرب

وأكد همام أن الأهمية الحقيقية للتحركات العسكرية الأخيرة لا تقتصر على استعادة الأراضي، وإنما تتمثل في سعي الجيش السوداني إلى إعادة تشكيل المجال العملياتي للحرب.

وأوضح أن تأمين طرق الحركة والإمداد في كردفان من شأنه تقليص قدرة الدعم السريع على المناورة ونقل الإمدادات بين مواقعه، خاصة في ظل امتداد خطوطه إلى دارفور.

وأضاف أن مدينة الأبيض تمثل نقطة ارتكاز رئيسية في هذه المعادلة، إذ يمكن أن تتحول إلى قاعدة متقدمة للجيش في اتجاه الغرب، وهو ما يفسر محاولات استهدافها بالطائرات المسيّرة والسعي إلى إعاقة البنية التحتية وخطوط الإمداد.

وشدد على أن المعركة في كردفان لا تتعلق بالسيطرة على المدن فحسب، وإنما بالسيطرة على الجغرافيا التي تحدد قدرة كل طرف على مواصلة العمليات العسكرية وإدارة خطوط الإمداد.

التقدم العسكري للجيش لا يعني انهيار الدعم السريع

وفي المقابل، شدد الباحث السياسي على أن التقدم العسكري الذي يحققه الجيش السوداني لا يعني بالضرورة انهيار قوات الدعم السريع، التي لا تزال تحتفظ بعمق جغرافي واسع في دارفور، فضلًا عن قدرتها على استخدام تكتيكات الكر والفر والطائرات المسيّرة لتنفيذ هجمات على مواقع بعيدة عن خطوط التماس.

وأضاف أن تكرار الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع يمثل مؤشرًا على وجود ضغوط تتعلق بالتماسك الداخلي، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات انهيار القوة العسكرية للتنظيم.

ورجح همام أن تتجه الحرب بصورة متزايدة نحو نمط من الاستنزاف، بحيث يصبح العامل الحاسم هو قدرة كل طرف على الحفاظ على قواته وإمدادها وتمويلها وإعادة تنظيمها، وليس مجرد السيطرة المؤقتة على منطقة أو مدينة.

النيل الأزرق يفتح جبهة جديدة في الصراع

وأشار إلى أن تصاعد القتال في النيل الأزرق يضيف بعدًا جديدًا إلى الصراع، لا سيما مع امتداد العمليات إلى مناطق قريبة من الحدود الإثيوبية.

وأوضح أن فتح جبهات متزامنة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق يعني أن الحرب باتت أكثر اتساعًا من الناحية الجغرافية، الأمر الذي يفرض ضغوطًا واستنزافًا أكبر على طرفي الصراع، كما يزيد من أهمية الحدود والممرات الخارجية.

الدعم الخارجي أحد مفاتيح استمرار الحرب

وأكد الباحث المتخصص في الشأن الأفريقي أن الدعم الخارجي يظل أحد أهم مفاتيح استمرار الحرب، في ظل قدرة تدفق الأسلحة والمقاتلين والتكنولوجيا العسكرية على مساعدة الأطراف في تعويض خسائرها وإطالة أمد المواجهة.

وأشار إلى تمديد مجلس الأمن، في 11 سبتمبر، حظر السلاح المفروض على دارفور لمدة شهر واحد، بالتزامن مع استمرار النقاش بشأن إمكانية توسيع نطاق الحظر ليشمل كامل السودان، في محاولة للحد من مصادر التسليح التي تغذي الصراع.

الحرب السودانية.. فاتورة إنسانية متصاعدة

وعلى الصعيد الإنساني، حذر همام من التزايد الخطير في تكلفة استمرار الحرب، مشيرًا إلى أن التقديرات الحديثة تتحدث عن نزوح نحو 13 مليون شخص، بينما يحتاج عشرات الملايين إلى مساعدات غذائية وصحية.

وأوضح أن مناطق في دارفور وكردفان تواجه خطر المجاعة، بالتزامن مع تراجع قدرة المنظمات الإنسانية على تقديم الخدمات، مشيرًا إلى أن نقص التمويل أدى إلى إغلاق 36 منشأة صحية إضافية، بما يؤثر على أكثر من 473 ألف شخص.

كردفان.. اختبار قدرة الجيش على تحويل المكاسب إلى تفوق استراتيجي

واختتم محمود سامح همام حديثه بالتأكيد على أن التطور الأهم في المرحلة الحالية يتمثل في تحول كردفان إلى اختبار حقيقي لقدرة الجيش السوداني على تحويل التفوق الميداني إلى تفوق استراتيجي.

وأوضح أن استعادة المدن والطرق تمنح الجيش أفضلية واضحة، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه المكاسب ستتحدد بمدى قدرته على الحفاظ عليها وربطها بشبكة إمداد مستقرة، ثم توظيفها للضغط على العمق الجغرافي لمناطق نفوذ الدعم السريع.

وبذلك، لا تبدو معركة كردفان مجرد فصل جديد في الحرب السودانية، وإنما اختبارًا لقدرة الجيش على تغيير قواعد الصراع وإعادة رسم خريطة النفوذ العسكري على الأرض.

الجريدة الرسمية