باحث سياسي يكشف مستقبل الأزمة السودانية في ظل التحولات الميدانية وتعثر جهود التسوية
كشف الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الإفريقية، محمود سامح همام، أن الأزمة السودانية تشهد خلال النصف الثاني من عام 2026 تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، تعكس انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاعها.
وأوضح همام في تصريح لـ “فيتو” أن الجيش السوداني تمكن خلال الأشهر الماضية من استعادة عدد من المناطق الاستراتيجية، في مقدمتها العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة، بينما انتقلت بؤر المواجهات الرئيسية إلى إقليمي كردفان والنيل الأزرق، مع استمرار العمليات العسكرية في أجزاء واسعة من إقليم دارفور.
وأضاف أن قوات الدعم السريع تواصل الاعتماد على الطائرات المسيّرة والهجمات المتحركة لاستهداف البنية التحتية وخطوط الإمداد، في محاولة لإبطاء تقدم الجيش وإطالة أمد الصراع، الأمر الذي يعكس دخول الأزمة مرحلة أكثر تعقيدًا على المستويين العسكري والسياسي.
استمرار تدفقات السلاح والدعم اللوجستي إلى قوات الدعم السريع
وأضاف همام أن من أبرز التطورات التي شهدها الشهر الجاري ما كشف عنه تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة، والذي أشار إلى استمرار تدفقات السلاح والدعم اللوجستي إلى قوات الدعم السريع، بما في ذلك استخدام طائرات لنقل أسلحة ومعدات ومقاتلين، موضحا أن هذه المعطيات تؤكد أن الصراع السوداني لم يعد أزمة داخلية فحسب، بل بات يرتبط بشبكات دعم خارجية أسهمت في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
جهود الوساطة الإقليمية والدولية تواجه تحديات كبيرة
وواصل همام حديثه قائلًا إن المشهد السياسي السوداني لا يزال يواجه حالة من الجمود، في ظل تعثر جهود الوساطة الإقليمية والدولية بسبب التباعد الواضح في مواقف الأطراف المتحاربة.
وأوضح أن الجيش السوداني يربط أي عملية سياسية بإنهاء التهديد الذي تمثله قوات الدعم السريع، واستعادة الدولة لاحتكار استخدام القوة، بينما تتمسك قوات الدعم السريع بالحفاظ على نفوذها العسكري باعتباره ورقة تفاوضية رئيسية في أي تسوية مستقبلية.
وأشار إلى أن هذا التباين في المواقف يعرقل إحراز تقدم في المسار السياسي، رغم تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية المطالبة بوقف إطلاق النار، وضمان حماية المدنيين، وتهيئة الظروف لاستئناف العملية السياسية الشاملة.
الأزمة الإنسانية تزداد تعقيدًا مع استمرار النزوح الواسع
وفي المقابل، تزداد الأزمة الإنسانية تعقيدًا مع استمرار النزوح الواسع، وتراجع الخدمات الأساسية، واتساع رقعة المجاعة والأوبئة في عدد من الولايات.
كما أن استمرار القتال في كردفان ودارفور يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية ويحد من قدرة المنظمات الدولية على إيصال المساعدات، الأمر الذي يجعل السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة السودانية
وقال من منظور استشرافي، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة السودانية. يتمثل السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، في استمرار حرب الاستنزاف، مع احتفاظ كل طرف بمناطق نفوذه دون تحقيق حسم عسكري كامل، بما يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة واستمرار الضغوط الإنسانية والاقتصادية.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح الجيش السوداني في توسيع مكاسبه الميدانية تدريجيًا، بما يقلص من قدرات الدعم السريع ويفرض واقعًا جديدًا ينعكس على أي مفاوضات مستقبلية.
في حين يبقى السيناريو الثالث، والمتمثل في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، الأقل احتمالًا في الوقت الراهن، نظرًا لغياب الثقة بين الأطراف واستمرار التباين حول شكل المرحلة الانتقالية ومستقبل القوات المسلحة والتشكيلات المسلحة.
ومن منظور الأمن القومي المصري، فإن استقرار السودان يمثل ضرورة استراتيجية، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، وإنما لارتباطه بأمن الحدود الجنوبية، واستقرار البحر الأحمر، وأمن حوض النيل.
ومن ثم، فإن أي تسوية مستدامة ينبغي أن تقوم على الحفاظ على وحدة الدولة السودانية، وتعزيز مؤسساتها الوطنية، ومنع تحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح أو بؤرة تهدد أمن الإقليم بأكمله.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السودان لا يزال بعيدًا عن نهاية الحرب، إلا أن التحولات الميدانية الجارية قد تعيد رسم ميزان القوى خلال الفترة المقبلة.
وسيظل مستقبل الأزمة مرتبطًا بقدرة الدولة السودانية على استعادة مؤسساتها، وبمدى نجاح المجتمع الدولي في الحد من التدخلات الخارجية وتجفيف مصادر دعم الفاعلين المسلحين، باعتبار ذلك المدخل الأكثر واقعية لتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية قابلة للاستمرار.




