رئيس التحرير
عصام كامل

التغير الاجتماعي.. ماذا حدث للمصريين؟!

18 حجم الخط

أخطر ما يحدث في المجتمعات ليس دائمًا ما نراه في الشوارع، وإنما ما يحدث في صمت داخل البيوت.. شاب يؤجل الزواج، وفتاة تعيد حساباتها قبل الإقدام عليه، وأسرة تكتفي بطفل أو طفلين، وزوجان يختلفان تحت ضغط الأعباء، وشاب آخر يفكر في الهجرة لأنه لا يرى أمامه فرصة تمنحه الحياة التي يحلم بها. تبدو هذه وقائع فردية، لكن حين تتكرر على نطاق واسع تصبح مؤشرًا على تحول اجتماعي عميق.


مصر لا تنهار اجتماعيًا، ولا يصح إطلاق مثل هذا الحكم، لكنها تمر بتحولات ينبغي ألا نستخف بها. معدلات الزواج والإنجاب تتغير، والطلاق يمثل تحديًا متزايدًا، بينما تتسع أعباء السكن والتعليم والصحة والنقل والغذاء. وهذه ليست مجرد أرقام متفرقة؛ فالديموغرافيا في كثير من الأحيان هي مرآة للحالة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للمجتمع.


فالإنسان لا يتخذ قرار الزواج والإنجاب في فراغ. إنه يحسب دخله، ومسكنه، وفرص عمله، وتكلفة تربية أبنائه، وما إذا كان يستطيع أن يمنحهم حياة أفضل. وكلما زادت درجة عدم اليقين، أصبح تأجيل القرارات الكبرى أكثر إغراءً وأقل مخاطرة. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.


حين يتحول الغلاء من ظرف مؤقت إلى شعور دائم، وحين يسبق ارتفاع الأسعار زيادة الدخول، وحين يصبح الحصول على مسكن لائق مشروعًا مرهقًا، وحين يشعر الشاب أن سنوات عمله لا تقربه بالقدر الكافي من الاستقرار، فإن الأزمة الاقتصادية تبدأ في إعادة تشكيل السلوك الاجتماعي.


فالاقتصاد لا يدخل البيوت في صورة أسعار فقط، وإنما يدخلها في صورة قرارات.. قرار الزواج، وعدد الأطفال، ونوعية التعليم، ومكان السكن، وحتى قرار البقاء في الوطن أو البحث عن فرصة خارجه.

ويزداد الأمر تعقيدًا لأن الأجيال الجديدة تعيش في عالم مفتوح. الهاتف جعل الشاب يرى خلال دقائق مستويات مختلفة من المعيشة والعمل والسكن والسفر. لم تعد المقارنة بينه وبين جاره أو زميله فقط، وإنما بين حياته وحياة ملايين البشر في أنحاء العالم. وهنا تتسع الفجوة بين الطموح والإمكانات.


وليس أخطر على الإنسان من أن يرى ما يستطيع الآخرون تحقيقه، بينما يشعر أن الطريق أمامه أكثر صعوبة كل يوم. لكن من الخطأ أيضًا أن نفسر كل شيء بالاقتصاد. فقد تغيرت الثقافة، وتغيرت نظرة المرأة والرجل إلى الزواج، وتبدلت توقعات الأجيال، وأصبحت الاستقلالية الفردية أكثر حضورًا، كما أثرت وسائل التواصل في العلاقات والقيم ومعايير النجاح.


إنها إذن عملية مركبة: اقتصاد يضغط، وثقافة تتغير، وأجيال جديدة لها توقعات مختلفة، ومجتمع يحاول أن يتكيف مع كل ذلك في وقت واحد. ومن أخطر الأخطاء أن نواجه هذه التحولات باللوم الأخلاقي وحده.


لا يمكن أن نقول للشاب: تزوج وأنجب، ثم نتركه وحده أمام أزمة السكن وتكاليف المعيشة. ولا يمكن أن نطلب من الأسرة إنجاب مزيد من الأطفال من دون أن نسأل: هل تستطيع تحمل تكاليف تعليمهم وصحتهم وحياتهم؟ ولا يمكن حماية الأسرة بالقانون وحده إذا كانت الظروف المحيطة بها تضعف قدرتها على الاستقرار.


القيم مهمة، والأسرة مهمة، والمسؤولية الفردية لا غنى عنها، لكن البيئة التي تتحرك داخلها الأسرة لا تقل أهمية عن القيم التي تؤمن بها. ولذلك فإن انخفاض الزواج أو الإنجاب لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره ابتعادًا عن قيم الأسرة، بل ينبغي أن يدفعنا إلى سؤال أكثر إنصافًا: لماذا أصبح بناء الأسرة أكثر كلفة وتعقيدًا؟


ثم هناك جانب آخر لا يقل خطورة: الشعور بانسداد طريق الصعود الاجتماعي. المجتمع المستقر هو الذي يشعر فيه الشاب أن تعليمه وعمله واجتهاده يمكن أن ينقلوه من مستوى إلى مستوى أفضل. أما إذا أصبح الإنسان يعمل كثيرًا ولا يرى ثمرة كافية، ويؤجل أحلامه عامًا بعد عام، فقد يتحول الإحباط إلى عزوف، والعزوف إلى لامبالاة، واللامبالاة إلى فقدان تدريجي للثقة.
 

وهنا لا تكون القضية مجرد دخل. إنها قضية كرامة وأمل وإحساس بالقدرة على صناعة المستقبل. ولا يعني ذلك أن المجتمع وصل إلى نقطة اللاعودة. على العكس، ما زالت مصر تمتلك عناصر قوة هائلة: مجتمعًا شابًا، وأسرًا ممتدة، ورصيدًا ثقافيًا واجتماعيًا كبيرًا، وقدرة على التكيف تجاوز بها المصريون أزمات كثيرة.
 

لكن الاستمرار في التكيف له حدود. ولهذا ينبغي أن نتعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها إنذارًا اجتماعيًا مبكرًا لا نبوءة بالانهيار. والخروج يبدأ من إعادة بناء الثقة في الغد. ثقة لا تصنعها الشعارات، وإنما اقتصاد يوفر فرص عمل حقيقية، وأجور أكثر عدالة، وسكنًا يمكن للشباب الوصول إليه، وتعليمًا جيدًا يخفف العبء عن الأسرة، وخدمات صحية محترمة، ومساندة حقيقية للطبقة الوسطى، ومسارات واضحة للصعود الاجتماعي، وبيئة تشجع العمل والإنتاج والمشروعات الصغيرة.


وفي الوقت نفسه نحتاج إلى تجديد الخطاب حول الأسرة، لا باعتبارها قيدًا اجتماعيًا، وإنما باعتبارها شراكة ومسؤولية ومصدر أمان. نحتاج إلى مساعدة الشباب على بناء أسرهم، لا إلى محاكمتهم لأنهم تأخروا في بنائها. فالمجتمع لا يستعيد حيويته بالضغط على أفراده، وإنما بإزالة العوائق التي تمنعهم من الحياة الطبيعية.

وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا تغير المصريون؟ بل: ماذا تغير في البيئة التي كان المصريون يبنون داخلها أسرهم ويحلمون من خلالها بمستقبل أبنائهم؟ فإذا عاد الأمل إلى الشاب، عاد التخطيط.
وإذا أصبح الزواج ممكنًا، أصبح الإنجاب أكثر احتمالًا.

وإذا شعر الأب والأم أن أبناءهما يستطيعون أن يعيشوا أفضل منهما، عاد المستقبل مشروعًا يستحق التضحية.
المجتمع لا يحتاج فقط إلى زيادة دخله، وإنما إلى زيادة يقينه بأن جهده لن يضيع. فأخطر ما يمكن أن يفقده مجتمع ليس عدد أبنائه، ولا حجم موارده، وإنما إيمانه بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.

الجريدة الرسمية